النقيبة ماري تراز القوال في طرابلس…

شاركت نقيبة المحامين في طرابلس ماري تراز القوال في ندوة حوارية حول “المواطنة والقضاء- تلازم الموجبات والحقوق” استكمالاً لسلسلة من النقاشات الموضوعية البناءة حول مسألة المواطنة وإشكالية الانتماء الوطني في لبنان.
حضر الندوة المدعي العام القاضية أماني حمدان، النائب السابق د. رامي فنج، نقيبا المحامين السابقين: انطوان عيروت وفهد المقدم ، الأميرال نزيه بارودي، مدير كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية (الفرع الثالث) د. خالد الخير، المدير السابق لكلية الحقوق د. محمد علم الدين، مديرة معهد حقوق الإنسان في نقابة المحامين المحامية دوللي فرح، نقيب الأطباء السابق د. نبيل فتال، المحامية الدكتورة غادة ابراهيم، د. ربى دالاتي، رئيس لقاء الأحد الثقافي د. أحمد العلمي، مسؤول المؤتمر الشعبي اللبناني في طرابلس المحامي عبد الناصر المصري، رئيسة المنتدى الدولي للشباب هنادي مشرف، رئيسة الجمعية اللبنانية للاصلاح والتأهيل فاطمة بدرا، وحشد من الفعاليات الاجتماعية والثقافية، وطلاب كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية. وحشد من الحقوقيين والقضاة، والفعاليات الاجتماعية والثقافية، وأدارت الندوة المحامية نيرمين الأحمد.
إفتتحت الندوة بالنشيد الوطني اللبناني، تلتها كلمة لرئيسة المركز اللبناني للعدالة الدكتورة عائشة يكن جاء فيها:” إنه لمن دواعي سروري أن نستضيف اليوم علمين من أعلام المدينة وضعا بصمتهما ليس على المشهد القانوني والحقوقي والقضائي فحسب، بل على المشهد الاجتماعي والإنساني والثقافي وحتى الوجداني في قلب مدينة طرابلس. طرابلس المحبة والسلام والعيش المشترك، طرابلس عاصمة الشمال. عنيت بهما سعادة القاضي نبيل صاري نصير المرأة الدائم، والمدافع الشرس عن حقوقها قولاً وفعلاً، والثابت على مبادئه ومواقفه في وجه الفساد والظلم، وسعادة النقيبة الأستاذة ماري تيريز القوال، نقيبة القلوب التي كسرت الأعراف بعد قرن من الزمان، وعبرت بالنقابة إلى بر الأمان، بقيادتها الحكيمة وابتسامتها الرقيقة، وعلاقاتها الإيجابية مع كل أطياف المجتمع ومؤسساته”.
وأكدت أن “النظام القضائي القوي والمستقل هو الضامن للمساواة والحقوق والحريات. من هنا فإن فهمنا لدور القضاء والتحديات التي يواجهها يعد أمراً حاسماً في بناء مجتمع يستند إلى قيم المواطنة العادلة. ولا عجب ان نرى تقدم المجتمعات، يعود في أساسه إلى نظام العدالة القضائي الفاعل والعادل والمواكب لمتطلبات العصر.”
ثم القت النقيبة القوال كلمة جاء فيها:” يطرحُ عنوان هذه الندوة إشكالياتٍ كثيرةً ربما تكون الدول المتقدمة قد تجاوزتها، كلَّها أو بعضَها، منذ زمان بعيد. ذلك أن فكرة المواطنة الصحيحة تتضمن حتمًا توازن الحقوق والموجبات لدى الأفراد والجماعات داخل المجتمع. كما أن فكرة القضاء، أو العدالة بوجه عام تتضمن أيضًا الوسيلة العملية لإحقاق هذا التوازن، ولتقويم الخلل الذي ينتج عن الممارسة العملية، بما في ذلك العقابُ على التجاوزات.
لكنْ في لبنان، ما زالت المفاهيم الأساسية لقيام الدولة الحقيقية، تدور في حلقاتٍ مفرغةٍ من نزاعاتٍ لا ينطفي أوارُها، مبنيةٍ بمعظمِها على المصالح الشخصية أو الفئوية أو الطائفية أو المناطقية؛ ما أدّى ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار النظري لهذه المفاهيم، وإلى التعثر العملي لتطبيقِها في واقع الحال.
وبالدخول إلى صلب الموضوع، يتكشّف لنا أن الموطنة في عمقِها القانوني هي عقد متبادلٌ contrat synallagmatique بين الفرد والدولة يلقي على عاتق كل منهما موجبًا ويعطيه حقوقًا بحيث تقدِّم الدولة لمواطنيها الحماية والخير العام ويؤدون بدورهم إليها الولاء. فالمواطنة تؤطر العلاقة بين الفرد والدولة في الحقوق والواجبات؛ بحيث تضمن للمواطنين حرياتهم وحقوقهم وتفرض عليهم الواجبات والمسؤوليات تجاه النظام العام. وأهم ما في الأمر أن تكون تلك الحقوق والواجبات مبنية على مبدأ المساواة الذي نادت به الشرائع الدينية والمواثيق الدولية والدساتير والتشريعات الوطنية.
من نتائج تنفيذ هذا العقد المتبادل، تحقيق الوحدة الوطنية وغرس الشعور بالانتماء إلى الوطن والمجتمع بما يحمله من هوية تعكس ثقافته وتاريخه وهمومه المشتركة، انتماءً لا يعني البتةَ الانغلاق على الذات، بل يشكل منطلقًا إلى رحاب الوجود الإنساني الفسيح.
ومما لا شك فيه أن القوانين عصبُ وجود الدولة والسبيل الأوحدُ إلى تحقيق المواطنة. وهي أيضًا إحدى المؤسسات الجوهرية في حياة الإنسان الاجتماعية، التي وعت المجتمعات الحديثة أهميتها لإرساء مبادئ العدالة وحكم القانون. فكان ظهور مبدأ فصل السلطات الذي تبلور ابتداء من القرن السابع عشر وحتى يومنا هذا فبرزت السلطة القضائية كإحدى السلطات الأساسية في صون حرية الأفراد وحقوقهم وتالياً في إرساء حكم القانون وصون عقد المواطنة.
إلا أن لبنان يواجه تحديات قانونية كبيرة تؤثر بصفة سلبية على مفهوم المواطنة منها ما يتعلق بإقرار القوانين ومنها ما يتعلق بوضع القوانين المقرة موضع التنفيذ.
1. فالتحدي الأول يتمثلُ في العمل دون تأخير على إقرار القوانين التي تتطور من جهة مع المستجدات الاقتصادية والمالية والنقدية، وترسي من جهة أخرى استقرارًا في الحياة الوطنية، وطمأنينةً في الوضع الدستوري والتشريعي، مع ما يعكس ذلك من فرص تنمية وازدهار. ونذكر على سبيل المثال:
1- قانون استقلال القضاء. يوجد في المجلس النيابي أكثر من مشروع قانون يضع أمام السلطة التشريعية تصورًا كافيًا في ما يتعلّق باستقلالية السلطة القضائية وإعادة هيكلتها. لكنّ درس هذه المشاريع يحتاج إلى وقتٍ طويل، للوصول إلى مشروع متكامل، يحقّق مبدأ الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية. وهذا ما لم يتحقق حتى اليوم. بل ربما ذهب بعضُهم إلى ان السياسيين لن يتعجلوا في إقراره لمآرب لا تخفى على أحد. وهكذا يبقى استقلال القضاء الحقيقي معلقًا.
2- خطة التعافي الاقتصادي، وهي تحتاج إلى إقرار قوانين تعالج الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية التي يمر بها لبنان ولو بصورة مجزأةٍ ومتتابعة. وهذا ما لم يفعله المشترع اللبناني بعد. سيما وأن أسئلة كثيرة تطرح في هذا المجال أهمها: ما هي الاستراتيجة التي يجب أن تعتمد من أجل ايجاد حلول قانونية لمواجهة التأثيرات على العقود الناتجة عن انخفاض العملة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي.
2. أما التحدي الثاني الذي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمفهوم المواطنة فهو وضع القوانين المقرة والمنشورة في الجريدة الرسمية موضع التنفيذ. فمن الملاحظ عندنا أن السلطة التشريعية المتمثلة في المجلس النيابي تضع القوانين ولو متأخرةً،، ولكن هل يكفي إصدار القانون ونشره في الجريدة الرسمية دون تنفيذه؟ الجواب طبعًا لا خصوصًا متى احتاجت تلك القوانين إلى إقرار الحكومة لمراسيمها التطبيقية.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، صدر عام 1964، القانون رقم 17315، معطوفاً على القانون رقم 15702، الذي ينص على وضع السجون في عهدة وزارة العدل، بدلاً من وزارة الداخلية، وبقي هذا القانون في سجل المحفوظات.
كما أصدر المشترع اللبناني، القانون رقم 463، تاريخ 17/09/2002، المعروف بقانون تنفيذ العقوبات، والذي ينص على تخفيض عقوبات الحسني السيرة، من خلال محكمة مختصة بذلك، على أن تحدد آلية تنفيذ التخفيض بمرسوم تطبيقي، وذلك بمهلة ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذ هذا القانون. ونام هذا التشريع كسابقه سنوات عدة، إلى ان صدر المرسوم التطبيقي، بتاريخ 06/05/2006.
كذلك صدر القانون رقم 194 بتاريخ 16/10/2020، الرامي الى “حماية المناطق المتضررة بنتيجة الانفجار في مرفأ بيروت ودعم إعادة إعمارها”، فلم تصدر بَعْدُ المراسيم التطبيقية الخاصة به. وأيضا لا تبرير لتأخير إصدار المراسيم التطبيقية لقانون زراعة الحشيشة فالخاسر الأكبر هي الدولة. وإقرار هذه المراسيم التطبيقية خطوة جوهرية لحسن نفاذ القانون، فهل من يجيب عن سبب التأخير في إصدار المراسيم؟ وترك بعض القوانين حبرًا على ورق. ولا أغلق هذا الباب حتى أذكرَ قانون الإيجارات الصادر عام 2014 والمعدل عام 2017 وما نتج عنه من إشكاليات حول الصندوق وتمويله واللجان وإنشائها، حتى أفضى الأمر إلى تعليق تطبيق أحكام مواد هذا القانون على الفئة التي تستفيد من مُساعدات الصندوق إلى حين البتّ في مسألة تمويله لمُساعدة المُستأجرين الأكثر هشاشة.
ومما لا شك فيه ان حق المواطنة لا يتحصلُ بالقوانين وحدها، بل بما ترتكز عليه الممارسات أيضاً من مساواة بين المواطنين ومن سيادة حكم القانون عليهم أجمعين. فحق المواطنة هو الرابط بين الدولة وأفراد المجتمع، وبدونه تصبح الدولة سلطة فوقية معزولة عن مجتمعها. ومن يحمي الحق بالمواطنة هو القضاء.
أما القضاء اللبناني فهو إحدى السلطات الثلاث التي تحكم لبنان، وله نظريًّا كيانه المستقل، بحسب المادة 20 من الدستور اللبناني”. لكن هذه الاستقلالية ما زالت حديث الساعة المستمر، انطلاقاً من كونها مهددة بصورة دائمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، من عدة جوانب، ومجموعات، ومؤسسات، وهيئات حكومية، حيث إنّ التأثير الأهم على عمل السلطة القضائية ينجم عن عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية وثقافية وإيديولوجية ودينية أيضاً. وبالتالي فان وضع العدالة والمواطنة في لبنان هو على صورة البلد، في أزمة مفتوحة منذ زمن بعيد، فالعدالة اللبنانية تواجه حاليًّا تحديات ضخمة مرتبطة باستقلالية السلطة القضائية، تكاد معها الدولة تفتقد هيبتها. هذا إذا لم نذكر الأخطاء القضائية، والتأخر غير المقبول في إجراء المحاكمات وإصدار الأحكام. فالحقيقة التي تنكشف أمام العيان أن القضاء في لبنان لم يرتق بعد إلى مستوى السلطة المستقلة التي وظيفتُها حمايةُ المواطنة وتفعليها، بإحقاق العدالة المجردة. وفي الوقت عينه يوجد عندنا قضاة نزيهون كثيرون، بل هم الأكثرية الغالبة التي يبني عليها لبنان أمل تعافيه. هؤلاء يجسدون في ذواتهم ما قاله مونتسكيو في كتابه روح الشرائع من: “أن كل إنسان يتمتع بسلطة، يميل إلى الإساءة في استعمالها، وهو يظل متجهًا نحو هذه الإساءة إلى أن يجد حدودًا أمامه، ولكي لا تقع الإساءة بالسلطة، فإنه يقتضي بتهيئةٍ طبيعيةٍ للأشياء أن توقِفَ السلطةَ سلطةٌ أخرى”. كما يعطون في تصرفاتهم المعنى الحقيقي لما قاله تشرشل “ما دام القضاء بخير فبريطانيا بخير”.
تبقى لديّ كلمة صغيرة. إن مبدأ المشروعية واحد من أهم مبادئ القانون على الإطلاق، لما له من أثر على صعيد علم القانون ككل بمختلف فروعه وأقسامه العامة و الخاصة . وكلما ظهر مبدأ المشروعية وبدت آثاره ومعالمه ونتائجه واضحةً، اختفت مظاهر الدولة البوليسية. ذلك أن مبدأ المشروعية يمثل الضابط العام للدولة في علاقاتها المختلفة مع الأفراد. فلا يجوز لها طبقًا لهذا المبدأ أن تأتي سلوكا مخالفًا للقانون بإصدار قرار غير مشروع. وإن بادرت إلى فعله تعين على القضاء بعد رفع الأمر إليه في محاكمة عادلة أن يقضي بإلغاء هذا القرار محافظة على دولة القانون. هكذا يمثل مبدأ المشروعية صِمامَ أمان بالنسبة إلى حقوق الأفراد وحريات الأفراد الذين ارتضَوا الخضوع التام للقانون بمقدار ما التزام الدولة بالخضوع لمبدأ المشروعية. وهو ما يعبر عنه بخضوع الحاكمين والمحكومين لسيادة القانون وعلوِّ أحكامه وقواعده فوق كل إرادة سواء أكانت إرادةَ الحاكم أم المحكوم. إذ لا يكفي أن يخضع الأفراد وحدهم للقانون في علاقاتهم الخاصة، بل من الضروري أن تخضع له أيضا الهيئات الحاكمة في الدولة على نحو تكون تصرفات هذه الهيئات وأعمالها وعلاقاتها المختلفة متفقة مع أحكام القانون وضمن إطاره.
على أن حماية مبدأ المشروعية لا يستطيع أن يتولاها إلا قضاء ملتزم هو الآخر بأحكام القانون ومبادئ الشرف الرسولي الذي تمليه قواعد آداب القضاء وأخلاقياته ومناقبه. وهذا ما لن أتحدث فيه، بل أشير إلى أن ما جرى مؤخرًا من تجاوز لموجبات القاضي ما زال يشكل جرحًا غائرًا في وجدان المجتمع اللبناني، والحقوقي على الأخص. لكن موجب التحفظ الذي ألتزم به شخصيًّا يدفعني إلى عدم إثارة هذه المسألة الا أمام المراجع المختصة وفي المجالس المغلقة.
وبعد أرجو أن تكون مداخلتي الطويلة نوعًا ما على عكس عادتي في اعتلاء المنابر، قد أسهمت في شيءٍ من إلقاء الضوء على الآلام التي لا بد أن تزول، والآمال التي لا بد أن تتحقق. والسلام.
والختام بكلمة للقاضي في مرتبة الشرف نبيل صاري جاء فيها:” أقف اليوم لأتحدث معكم من القلب عن الظروف العملية والواقع العملي. فلن أتحدث في المواطنة التي تحتاج إلى مواطن ووطن، وعبثاً نفتش عن وطن في ظل طغمة حاكمة بالمال. أتمنى أن نصل إلى مرحلة نكون فيها في ظل وطن حقيقي”.
أضاف”: وكيف يكون ذلك ونحن نرى أن أصحاب الأموال قد استذوقوا دخول المجلس النيابي مباشرة، وليس بواسطة رجال القانون: فلم نعد نرى مجالس النواب التي كانت تحتوي على الأسماء التشريعية الكبيرة… بل أصبح الطبيب والمهندس وغيرهم، مع إحترامنا للمهن جميعاً، هو من يشرع اليوم.”
وتابع: “بالنسبة إلى واقع السلطة القضائية، فطالما أن السلطة السياسية هي سلطة طائفية مسيطرة، فإن المخطئ يحظى بحماية طائفته. لقد عملت على صياغة مشروع قانون للنيابة العامة البيئية وبقيت أنادي به ما يقارب من عشر سنوات. وفي عام 2014، وافقت الدولة على مشروع “مسخ” حول الموضوع، واتصل بي وزير البيئة آنذاك ناظم الخوري، وناشدني حضور جلسة اللجان المشتركة لحماية المشروع من التطيير، خاصة وأن أحد أصحاب الكسارات كان عضو لجنة نيابية وكان فاعلاً فيها. ولدى حضوري الجلسة فإن أول سؤال وجه لي كان عن طائفة النائب العام البيئي المنتظر. ولدى صدور القانون كنّا نسعى لنيابة عامة بيئية متفرغة، ولكن ذلك رفض رفضاً تاماً، لانتقاصه من صلاحيات إحدى الطوائف.



