بلاد ما بين النهرين تُكابد الجفاف

بلاد ما بين النهرين تُكابد الجفاف
الصحفية : فاتن يوسف
في أرضٍ تعود جذور حضارتها إلى ما يزيد على خمسة آلاف عام، حيث نشأت أولى المدنيات البشرية وابتُكرت أساليب الري والزراعة بين نهري دجلة والفرات، تعاني بلاد ما بين النهرين اليوم من أزمة بيئية خانقة تهدد مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي، فقد حوّل الجفاف المتفاقم وانحسار مياه الأنهار الكبرى التي كانت شريان الحياة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ متشققة قاحلة لا تصلح للزراعة، بينما ترتفع معدلات ملوحة التربة والمياه إلى مستويات غير مسبوقة، لا سيما في محافظات الجنوب وعلى رأسها البصرة.
تشير تقارير الأمم المتحدة وخبراء الموارد المائية إلى أن العراق يواجه أسوأ موجة جفاف في تاريخه الحديث، نتيجة التغيّر المناخي وسوء الإدارة الداخلية وانخفاض منسوب المياه الواردة من تركيا وإيران بسبب بناء السدود دون تنسيق أو اتفاقيات مائية ملزمة، وقد أدّت هذه الظروف إلى نزوح آلاف المزارعين من القرى الزراعية إلى المدن بعد أن فقدوا مصادر رزقهم، مما أحدث خللاً ديمغرافيًا واقتصاديًا حادًا وتحول العراق الذي كان يُعدُّ يوماً سلة غذاء المنطقة، إلى مستورد رئيس للمحاصيل الزراعية كالخضار والفاكهة.
وفي ظل هذه الكارثة البيئية التي تبلغ ذروتها في فصل الصيف من كل عام، تكتفي الحكومة العراقية بإصدار بيانات سنوية وتحذيرات شكلية دون تقديم حلول استراتيجية طويلة الأمد، أو تفعيل مشاريع التحلية والتخزين ومعالجة المياه، كما أن التفاوض مع تركيا وإيران حول تقاسم المياه لا يزال يراوح مكانه، وسط غياب سياسة مائية فعالة وإرادة سياسية جادة، هذه الظروف مجتمعة أدت إلى تحويل أرض العراق التي كانت تُلقّب في العصور الإسلامية بـ”أرض السواد” لما كانت تتمتع به من كثافة زراعية وزهو أخضر يغطّي سهولها، إلى أرض تعاني عطش مزمن وجفاف يهدد سُبل الحياة.
كيف تفاقمت ظاهرة الجفاف في العراق؟
انعكس التغيّر المناخي وارتفاع درجات الحرارة بمعدل 1.5 – 2 درجة مئوية خلال العقود الأخيرة في جميع أنحاء العالم على مناخ العراق بشكل حاد، حيث وضعت الأمم المتحدة العراق على قائمة خمس دول الأكثر تأثراً بالتغيير المناخي في العالم، فقد أصبح طقس العراق أكثر حرارة وجفافًا خصوصاً في المناطق الجنوبية التي تتجاوز فيها درجات الحرارة حاجز الـ50 درجة مئوية خلال الصيف، هذا الارتفاع يؤدي إلى تبخر كميات ضخمة من المياه من الأنهار والسدود ويرفع استهلاك المياه للزراعة، ويزيد الضغط على البنية التحتية للطاقة والمياه.
كما تسبّب ارتفاع درجات الحرارة بانتشار ظاهرة التصحر، فقد أصبحت 39% من مساحة العراق مهددة بالتصحر و54% من أراضيه الزراعية متدهورة وفقاً لتقارير وزارة البيئة، وقد امتد الزحف الصحراوي إلى وسط وجنوب العراق، مسبباً اختفاء المحاصيل من آلاف الهكتارات، إلى جانب تزايد أيام العواصف الغبارية إلى أكثر من 120 يوماً في السنة، ما يؤثر على الصحة العامة والزراعة.
طقس العراق القاسي تزامن مع انخفاض الاطلاقات المائية من إيران وتركيا وأنشاء السدود على نهري دجلة والفرات في تركيا، التي أنشأت مشروع جنوب شرق الأناضول الذي يضم 22 سداً و19 محطة كهرومائية على نهري دجلة والفرات أبرزها سدي أتاتورك وإليسو، حيث انخفض منسوب نهر دجلة في العراق بنحو 60٪ في بعض المواسم، بعد تشغيل سد إليسو وتراجع مستويات المياه بشكل خطير في مدن مثل الموصل وبغداد.
أما إيران، فقد حوّلت مجاري عشرات الروافد الصغيرة والمتوسطة التي كانت تصب في نهر دجلة وشط العرب، ومن أبرز هذه الروافد نهر الكرخة ونهر الكارون اللذان كانا يصبان سابقاً في شط العرب، ونهرا الزاب الصغير والوند اللذان كانا يغذيان مناطق في ديالى وكركوك، كما أنشأت سدوداً مثل سد داريان على الزاب الصغير، ما قلل التدفق المائي بشكل شبه كامل، وكانت محافظة ديالى من أكثر المتضررين، حيث فقدت أكثر من 70٪ من مياهها القادمة من إيران، إلى جانب ارتفاع ملوحة شط العرب نتيجة غياب المياه العذبة، ما أدى إلى توغّل المد الملحي من الخليج.
حرب الجفاف تُهدد اقتصاد العراق وتُغيّر ديموغرافية مناطقه
العراق الذي خاض حروبًا دامية لعقود، يواجه اليوم حرباً من نوع مختلف: حرب بيئية طاحنة ضربت قطاع الزراعة الذي يشكل تقليديًا 5% من
الناتج المحلي إلا أنه تراجع إلى أقل من 3%، وتشير بيانات منظمة الأغذية فاو ووزارة الزراعة العراقية إلى أن المساحات المزروعة تقلصت بنسبة لا تقل عن 50% في بعض المواسم ما بين 2020 و2024، مسببةً خسائر تُقدّر بنحو 7 مليارات دولار، وفي موسم 2023-2024 تم السماح بزراعة نحو 500 ألف دونم فقط من أصل 1.2 مليون دونم معتادة نتيجة شح المياه، ما تسبب بخسائر مباشرة بلغت 2.2 مليار دولار، خاصة في محاصيل استراتيجية كالقَمح والشعير.
هذا التراجع الزراعي دفع العراق إلى التحول من دولة مُصدّرة للخضروات والفواكه إلى دولة تعتمد بنسبة تزيد عن 70% على الاستيراد من دول مثل تركيا وإيران والأردن وسوريا، ففي عام 2024، بلغت قيمة واردات العراق من الخضار التركية نحو 433 مليون دولار، ليصبح بذلك أكبر مستورد للخضروات التركية، كما استحوذ العراق على 31.5% من إجمالي صادرات إيران الزراعية والغذائية خلال عام 2023–2024 بقيمة تجاوزت 1.986 مليار دولار، وبلغت واردات الفواكه الطازجة في النصف الأول من عام 2025 ما قيمته 3.46 مليار دولار.
أما الثروة الحيوانية، فقد تعرضت لضربات قاسية، حيث أدى انحسار المراعي والمياه العذبة إلى نفوق عشرات الآلاف من رؤوس الماشية، وتراجع القطيع بنسبة تقارب 40% في محافظات مثل ديالى والمثنى وذي قار، بقيمة خسائر فاقت 1.5 مليار دولار بين عامي 2021 و2023. وفي قطاع الثروة السمكية، تراجعت معدلات الإنتاج بنسبة 35%، حيث انخفض الإنتاج من 84 ألف طن عام 2021 إلى 56 ألف طن في 2023، بخسائر سنوية تُقدّر بأكثر من 400 مليون دولار.
الأزمة البيئية في العراق انعكست بشكل كبير على الواقع الاجتماعي في المناطق الزراعية، حيث أدّى الجفاف إلى نزوح آلاف العائلات الزراعية من الريف إلى المدن، وتقدّر نقابة الفلاحين العراقيين أن أكثر من 30 ألف عائلة هجرت أراضيها بين 2021 و2023. كما أفادت منظمة الهجرة الدولية بأن نحو 12,212 عائلة نزحت من عشر محافظات حتى مارس 2023، اتجهت غالبيتها إلى بغداد وكربلاء. وفي إقليم كردستان، هجر 2,700 مزارع من 80 قرية في منطقة كرميان بسبب جفاف الآبار وانخفاض منسوب سدود دوكان ودربندخان.
ضعف الجهود الدبلوماسية وغياب خطط مواجهة الجفاف تتسبب بعطش أرض الرافدين
على مدار عقود، لم تتمكن الحكومات العراقية المتعاقبة من تقديم حلول جذرية لظاهرة التصحر، كما أخفقت في صياغة اتفاقيات مائية ملزمة مع دول المنبع، فبالرغم من تشكيل لجان متعددة للتفاوض مع تركيا، لم تُثمر تلك الجهود المبذولة على مدى سنوات سوى عن اتفاق إطاري في 2024 يمتد لعشر سنوات يقضي بإدارة مشتركة وتبادل البيانات، إلا أن هذا الاتفاق وفق رأي الخبراء، غير مُلزم قانونياً ولا يتضمن آليات تنفيذ واضحة، ما دفع البرلمان للمطالبة بتعليق العلاقات التجارية مع أنقرة، لكن الحكومة لم تُفعّل هذا الخيار.
أما مع إيران فالوضع أكثر تعقيدًا؛ إذ تشترط طهران العودة إلى اتفاقية الجزائر لعام 1975 قبل أي تفاوض، بينما ترفض بغداد ذلك وتقترح بروتوكولات تنفيذية جديدة، وقد اقترحت وزارة الموارد المائية العراقية تدويل الملف، إلا أن الحكومة فضّلت التفاوض الفني، دون أي نتائج عملية حتى الآن.
وفيما يتعلق بالخطط الوطنية لمواجهة التصحر، فإن الحكومة أطلقت استراتيجية شاملة عام 2015 من المفترض أن تكتمل في 2035، لكن حتى الآن لم يُنفذ منها سوى 5–10% فقط، نتيجة ضعف التمويل والصراعات الحزبية والتوتر بين بغداد وأربيل، إضافة إلى انعدام التنسيق بين المحافظات، حيث تُركّز الحكومة معظم جهودها على ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب، فيما يتراجع ملف المياه إلى أسفل سلّم الأولويات.
أزمة الجفاف التي تجتاح العراق لم تعد أزمة طارئة أو موسمية، بل باتت تهديداً وجودياً يُهدد حاضر ومستقبل البلاد، فعلى أرضٍ كانت مهد الحضارة البشرية، وُلدت فيها أقدم تقنيات الري والزراعة، تقف اليوم الأنهار على شفا الجفاف والمزارع خاوية والقرى مهجورة، وبينما يُحمّل التغير المناخي جزءاً من المسؤولية، فإن الجزء الأكبر يقع على عاتق الحكومات المتعاقبة التي لم ترتقِ بخططها إلى مستوى الأزمة، ولم تفعّل أدواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لحماية حق العراق في الحياة، إن معالجة هذا التحدي تتطلب إرادة سياسية وتخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى، وتكاتفاً وطنياً شاملاً يعيد للعراق ما فقده من خُضرةٍ وماء.



