عيون لبنانية

الزمن انتحر… ونحن من دفناه…

 

بقلم: سارة هنداوي

لا الإثنين مختلف عن الجمعة، ولا الليل يختلف عن النهار.

كأننا عالقون في صفحة واحدة، لا تُقلب. تمرّ الأيام من فوق رؤوسنا لا بنا، وتذوب الأسابيع كما تذوب حبات سُكّر في فنجان مهمل.

في لبنان، أصبح الوقت مثل قطعة قماش رمادية مُبللة، نُقلّبها دون أن تجف.

كانت الأيام تُروى كقصة… الآن تُعاش كحكم.

 

 زمن بلا ملامح

في شوارع بيروت، تجد الأرصفة تُشبه بعضها. في القرى، تشتبه الفصول. وفي وجوه الناس… تتكوم السنين بلا ترتيب.

أسأل فتى: “شو اليوم؟”

يردّ بعد صمت: “أعتقد… خميس؟”

ولا يكون متأكدًا.

اليوم، باتت “الساعة” مجرد رقم على الهاتف.

أما الشعور بالزمن، فبات ترفًا لا نملكه.

 

 حين يصبح الوقت عقوبة

“كنت عدّ الدقائق بالشغل تي خلص وارجع عالبيت…

هلّق بعدني عدّ الدقائق بس تا يقطع النهار.”

(فادي، 27 سنة – موظف سابق، عاطل حاليًا)

لم يعد الوقت يُقاس بما ننجز، بل بما ننتظر أن يتحسّن… دون جدوى.

كأننا نُعاقب بالانتظار، لا بالحياة.

 

 من المسؤول؟

الوقت لم يسرقنا… نحن من فرّطنا فيه.

كُسرت الساعات حين بدأ الانهيار المالي.

تحطّمت مواعيد الطبابة حين فرّ الأطباء.

انشقّت أيّام الدراسة حين أُغلقت المدارس.

لم نستفق على انهيار واحد، بل سُحب السجّاد من تحتنا طبقةً طبقة.

صرنا نعدّ الخسائر بدلاً من الساعات.

 

مرضٌ في زمن الأزمة

بحسب الجمعية الدولية للصحة النفسية، يتسبب الضغط النفسي والاقتصادي المزمن في حالة تسمى “اضطراب الإدراك الزمني”، حيث يفقد الفرد القدرة على تمييز تسلسل الأيام، ويعاني من اضطرابات في الذاكرة والنوم.

في لبنان، هذا الاضطراب يُضرب الجميع: من العامل اليومي الذي لا يضمن قوت يومه، إلى الطبيب المهاجر الذي هجر وطنه، إلى الطالبة الجامعية التي فقدت أفق مستقبلها.

 

في شوارع بيروت، تقف ساعات تاريخية قديمة متوقفة، صامتة كأنها تشهد على توقّف الزمن نفسه.

ساعة برج الحميدية وساعة ساحة النجمة، اللتان كانتا يومًا رمزًا للحياة والحركة، أصبحتا اليوم رمزين لتجمّد الوقت وانحسار الحياة.

هذه الساعات ليست فقط قطعًا معمارية متوقفة، بل انعكاس حقيقي لانهيار الإحساس بالزمن الذي يعانيه اللبنانيون في حياتهم اليومية، حيث يتلاشى الماضي ويصبح المستقبل مجهولًا.

 

أصوات من الشارع: شهادات تكسر الصمت

“بقوم وبتلبّك… حاسّة إني نسيت شي.

بس الحقيقة إني نسيت كيف لازم يكون نهاري.”

(رُلى، 34 سنة)

“ما بعرف إذا نحنا بعزّ الصيف أو بنص الخريف.

كل الفصول بتقطع ورا بعضها، وما بحس بشي.”

(وسام، 22 سنة)

 

كيف نُعيد دفء الوقت؟

ليس بالتقويم فقط… بل بالمعنى.

أن نحيا أيامنا لا كـ”نسخة مكرّرة”، بل كمساحة نَملؤها عمداً.

لنبدأ بتسمية الأشياء مجددًا:

“يوم الطبخ”، “يوم الغسيل”، “يوم الكتاب”، “يوم المشي”.

لنربط ذاكرتنا بحدثٍ بسيط: صوت أغنية، ضحكة مع طفل، صورة جديدة على الجدار.

ولنعدُّ الوقت لا لنقتله… بل لنعيشه.

قد لا نملك وطنًا كاملًا… لكن نملك يومًا كاملاً.

فلنجعل منه بدايةً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »