ثقافة و فن

مرفأ بیروت: العدالة الغائبة على أنقاض الكارثة

بقلم كلاریتا الغزال
خمس سنوات مرت على أحد أكثر الانفجارات دمویة في تاریخ المدن الحدیثة، ولا یزال المسؤولون عن كارثة مرفأ بیروت
بلا محاسبة، وكأن الأرواح التي سقطت مجرد أرقام على ھامش التقاریر. ففي الرابع من آب 2020 ، انفجر في مرفأ بیروت
في واحد من أعنف الانفجارات ، (TNT) 2750 طناً من نیترات الأمونیوم، أي ما یعادل 1.1 كیلوطن من مادة التي إن تي
غیر النوویة في التاریخ الحدیث.
تجدر الإشارة إلى أن التعامل مع مادة كیمیائیة شدیدة الخطورة كنیترات الأمونیوم یتطلب أعلى درجات الانضباط والوعي
المھني. فالمادة، التي تسُتخدم صناعیاً في صناعة الأسمدة أو المتفجرات، قد تتحول في ظروف غیر ملائمة إلى قنبلة موقوتة.
وھذا ما حدث بالفعل في مرفأ بیروت، حیث تمّ تخزینھا بطریقة لا تراعي أدنى شروط السلامة، في أحد عنابر المرفأ، ومن
دون رقابة فعلیة أو إشراف علمي متخص ص.
إن خطورة ھذا الإھمال لا تكمن فقط في الجھل بالإجراءات، بل في اللامبالاة المتعمدة والتقاعس المستمر من قبل جھات
رسمیة كانت على علم بوجود ھذه المواد الخطرة في منطقة مأھولة بالسكان، ومع ذلك لم تتخذ أي إجراء فعلي لحمایة المدینة
وسكانھا. ھذا الإھمال الفاضح یكشف عن ثغرات خطیرة وعمیقة في بنیة الدولة اللبنانیة ومؤسساتھا الأمنیة والإداریة.
وبعد مرور خمس سنوات على ثالث أشد انفجار غیر نووي في العالم، انتخُب رئیس جدید للجمھوریة وشُكّلت حكومة جدیدة.
وفي سیاق یفترض أنھ بدایة مرحلة سیاسیة جدیدة، یطرح السؤال نفسھ بإلحاح: ھل ما زال ممكناً بناء دولة حقیقیة دون
محاسبة على الجریمة التي دمّرت عاصمتھا ؟
تحُیط قضیة مرفأ بیروت بغموض مستمر، إذ تعُتبر أولى اغتیالاتھا سقوط العدید من الأشخاص الذین سعوا للكشف عن
الحقیقة، بینما تغیبّ المسؤولون الفعلیون عن ھذه الجریمة. رغم ھذا الغموض، لا یعني ذلك أن الجھات الرسمیة أو الأشخاص
الذین كانوا على علم بتخزین نیترات الأمونیوم وتحملوا مسؤولیة ھذا الملف قد تبرأوا من مسؤولیاتھم الأخلاقیة والقانونیة.
إن الحدیث عن الدولة، كفكرة ومفھوم، لا یمكن أن ینفصل عن سؤال الحقیقة والعدالة. فمنذ أن كتب ماكیافیللي كتابھ الشھیر
“الأمیر” في مطلع القرن السادس عشر، بدأ ینُظر إلى الدولة على أنھا كیان سیاسي مستقل، ھدفھ الأساسي حفظ النظام
وضمان الاستقرار. لم یكن الھدف من السلطة، بحسب ماكیافیللي، ھو تحقیق الخیر المطلق أو العدل المثالي، بل كان جوھرھا
یقوم على مبدأ استمراریة الدولة وسلامتھا. لكن ما یجب التوقف عنده ھو أن ھذه الرؤیة للدولة تفترض وجود “أمیر” أو حاكم
یدرك خطورة التھدیدات التي تواجھ كیانھ السیاسي، ویتصرف بما یضمن الحد الأدنى من تماسكھ وبقائھ. من ھنا، فإن إھمال
المواد المتفجرة في قلب العاصمة، والتقاعس عن محاسبة المسؤولین، والتغاضي عن سلسلة اغتیالات طالت أشخاصًا سعوا
إلى كشف الحقیقة، لا یمثل فقط فشلًا إداریاً، بل سقوطًا أخلاقیاً للسلطة، ونقضًا مباشرًا لجوھر وجود الدولة نفسھا.
لم تكن عرقلة التحقیق في جریمة مرفأ بیروت نتیجة عوامل تقنیة أو قضائیة، بل جاءت ضمن سلسلة من التداخلات السیاسیة
الممنھجة التي طالت كل من تجرأ على الاقتراب من الحقیقة، بدءًا من ضغوط مباشرة وغیر مباشرة، مرورًا برفع دعاوى
قانونیة مكثفة، ومحاولات متكررة لتعطیل القاضي قانونیاً، وتجمید التحقیق لأشھر طویلة، وصولاً إلى حملات تخوین
وتحریض إعلامي، وغیاب الغطاء السیاسي الجاد، وتعطیل المؤسسات القضائیة نفسھا، وانتھاءً بتحویل القضیة إلى ساحة
نزاع طائفي، بدل أن تبقى مسارًا وطنیاً نحو العدالة. وإذا كانت الدولة تعُدّ دیمقراطیة بفصل السلطات وتوازنھا، فلبنان یعیش
دیمقراطیة مزیفة، حیث تحاصر السلطة القضائیة كلما اقتربت من الحقیقة، ما یحول دون قیامھا بدورھا الفعلي في المحاسبة.
ھذا التداخل والتصادم بین السلطات یظُھر ھشاشة النظام السیاسي، ویؤكد أن ما یمُارس في لبنان لیس سوى محاكاة لعملیة
دیمقراطیة، تخفي وراءھا واقعاً من التبعیة والانقسامات، بعیدًا عن أي مفھوم حقیقي للعدالة وسیادة القانون.
یبقى الذین تحملوا العبء الأكبر من كل ھذا الخراب ھم الضحایا وأھلھم، الذین لم ینلوا حتى الیوم العدالة التي یستحقونھا بكل
أبعادھا الإنسانیة والقانونیة. ھم الذین دفعوا أثماناً باھظة بحیاتھم وأمانھم، وخسروا أرواحھم ومستقبلھم. إن معاناتھم لیست
مجرد أرقام في تقاریر أو ملفات قضائیة، بل قصص حیاة وانكسار، تستحق أن تسُمع وتحُترم، وأن یجدوا في العدالة العزاء
والإنصاف. الدماء التي أھُدرت بلا حساب، والخراب الذي طال المدینة وعزلتھا، لا یمكن أن تكون أساسًا لأي بناء أو دولة
حقیقی ة
. فالعدالة لیست رفاھیة، بل حق أساسي لكل مواطن بل حق أساسي لكل مواطن، وبدونھا تظل الدولة مجرد وھم لا
أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »