ثقافة و فن

برسالة ماجستير حصلت بها على الامتياز… طالبة عراقية تهزم الموت وتخلّد حلمها

 

 

الصحفية: فاتن يوسف

 

لم يكن ذلك اليوم يوماً لمناقشة أكاديمية عادية، بل كان يوماً ثقيلاً بالدموع، مشبعاً بالفقد، يختلط فيه العلم بالحزن والوفاء بالوجع، فبدلاً من أن تفتتح طالبة الماجستير رغد سعدون وادي المناقشة بمقدمة تختار كلماتها، افتتحت المناقشة بقراءة سورة الفاتحة على روحها، حيث تقدم الدكتور كاظم العلي إلى منصة قسم الترجمة في كلية الآداب – جامعة البصرة، لكنه لم يكن يحمل بين يديه رسالة علمية فحسب، بل كان يحمل روح طالبته التي غابت قبل أن تنال حقها في الفرح. رغد سعدون وادي، الحلم الذي احترق في لحظة، والاسم الذي صارت حروفه رثاءً على لسان كل من عرفها، رحلت في حريق مأساوي التهم مجمعاً تجارياً وسط العراق، تاركةً خلفها كلماتها المؤمنة بالعلم، وذكرى لطموح لم تكتمل فصوله

وقف أستاذها المشرف، والدمعة تحاصر صوته، ليقول إن صوت رغد لم يمت، رافضاً أن تُدفن أحلامها معها، هذه المناقشة كانت أصعب مناقشة مرت على الدكتور كاظم في حياته، هكذا وصفها حين تواصلت معه للحصول على المزيد من المعلومات عن رغد، لكنها أجمل مناقشة عرفتها الجامعة لأنها رسالة قاومت الموت لطالبة غاب جسدها وبقيت ثمار مثابرتها محفورة في وجدان عائلتها وأساتذتها وبلدها

 

كيف ودعت الطالبة رغد أستاذها؟

في نفس يوم الحادث المأساوي، رفعت رغد سعدون وادي سماعة الهاتف لتخبر أستاذها الدكتور كاظم العلي بأنها أرسلت إليه نسخة من رسالتها، غير مدركة أن تلك الكلمات ستكون آخر ما يسمعه منها. فجراً، استيقظ الدكتور كاظم على خبر صاعق؛ حريق هائل التهم مركزاً تجارياً وسط العراق، لتأتيه رسالة نعي من أستاذتها الدكتورة فداء المولى من جامعة واسط تفيد برحيل رغد وأربعة من أفراد عائلتها الذين قضوا معها في ذلك الحريق المروّع، وكأن القدر كان يكتب سطور الوداع، إذ أرفقت رغد رسالتها بهدية لأستاذها، كتاب في الترجمة، لتغادر الدنيا وهي تودع مشرفها بما يليق بروحها النبيلة

رغد ذات السبع والعشرين عاماً، خريجة قسم الترجمة في جامعة واسط، والتي حصدت المرتبة الأولى على دفعتها، لم تسمح لغياب الدراسات العليا في قسمها أن يبدد حلمها الأكاديمي، مدفوعة بتشجيع أستاذتها الدكتورة فداء المولى حملت طموحها إلى جامعة البصرة، وهناك التقت بأستاذها المشرف الدكتور كاظم العلي الذي وصفها بالهادئة والمثابرة. ورغم عملها في مجلة “لارك” العلمية المحكمة التابعة لكلية الآداب – جامعة واسط، لم تقصر رغد في متابعة مسيرتها العلمية في مرحلة الماجستير، حيث تناولت رسالتها الموسومة “مقدمات المترجمين في الترجمة من الإنجليزية إلى العربية” من منظور ما يُعرف بـ”عتبات النص” وفقاً لنظرية الناقد والمنظر الفرنسي جيرار جينيه، نظراً لما يحمله هذا الموضوع من أهمية في حقل الترجمة. وقد أوضح الدكتور كاظم خلال لقاء أجريته معه أن قيمة هذه الرسالة تكمن في إلقاء الضوء على فن التقديم لكتب الترجمة، والإحاطة بالتفاصيل والأهداف التي تسعى تلك الكتب إلى إيصالها، مما يجعلها مرجعاً مهماً لطلاب الترجمة، ودور النشر، وكل من يسعى إلى ترجمة كتاب مستقبلاً. وقد استندت الراحلة رغد في دراستها إلى خمسين كتاب ترجمة لمترجمين متنوعين ومن دور نشر مختلفة، لتبني دراسة علمية غنية وشاملة

خمسة عشر يوماً فقط كانت تفصل بين موعد مناقشة رغد لرسالتها ورحيلها، فقد حُدد يوم الحادي والثلاثين من تموز 2025 موعداً لهذه المناقشة، وتمت تسمية لجنة المناقشة المؤلفة من الأستاذة الدكتورة فداء المولى من جامعة واسط، والأستاذ المساعد الدكتور جواد كاظم جابر، والأستاذة المساعدة الدكتورة بهيجة جاسم محمد من كلية الآداب. ولولا الأمر الإداري الصادر عن الجامعة، الذي أنقذ رسالة رغد وأبصرها النور بعد وفاتها، لكان الحلم قد طواه الموت تماماً. فقد سمح قرار وزارة التعليم العالي العراقية بمناقشة رسائل الماجستير في حال وفاة الطالب، شرط صدور الأمر الإداري قبل وفاته، وهو ما انطبق على حالة رغد التي غابت عن مقعدها المخصص للباحثين، بينما حضر أحبّتها من عائلتها، وأساتذتها، وعميد كلية الآداب في جامعة واسط، وعميد كلية الآداب في جامعة البصرة، ليشهدوا ولادة حلمها رغم الغياب

حصلت رسالة رغد على تقدير الامتياز، غير أن الدكتور كاظم العلي سيواصل تصحيح بعض الملاحظات التي أوصت بها لجنة المناقشة، وفاءً لطالبته، والتزاماً بأخلاقيات مهنته، ولتبقى رغد حاضرة بين سطور العلم حتى بعد رحيلها

 

عائلة منكوبة احترق حلمها

“كانت طموحة، مثابرة، وحساسة”، بهذه الكلمات نطقت رونق سعدون وادي وهي تصف شقيقتها رغد عندما تواصلت معها لإنجاز مقالي هذا، كلمات امتزجت فيها آلام الفقد بمشاعر الفخر، وكأنها تحاول أن تمسك بخيوط الذكرى قبل أن تتلاشى مع رحيلها الموجع. الحديث مع عائلة فقدت خمسة من أبنائها في حريق واحد لم يكن سهلاً، فالحزن كان يخيم على ملامحهم ويثقل الكلمات، حتى أن المرء يخجل أن يقترب من جرحهم الطري ليسأل عن تفاصيل موجعة منقوشة في وجدانهم. لكن تعاونهم السريع معي حين أخبرتهم أني أحضر لمقال عن رغد لم يكن إلا وفاءً لروح ابنتهم الراحلة، ورغبة في أن تروى حكايتها لكل من يملك قلباً يسمع، وربما كان دافعهم إيماناً عميقاً بقضاء الله وقدره، أو مزيجاً من الوفاء والإيمان معاً

الدكتور منتظر سعدون وادي شقيق الراحلة، لم يبخل بكلمة واحدة تعرفنا برغد، وكأنه يسعى لإعادة رسم ملامحها الحاضرة في قلوبهم رغم غيابها. تحدث معي بعينين مثقلتين بالدمع عن شقيقته التي كانت تقطع شهرياً مسافة أكثر من 500 كيلومتر من محافظة واسط إلى محافظة البصرة لتلتقي بمشرفها الدكتور كاظم العلي، حاملة حلمها وإصرارها على النجاح فوق كل تعب وعناء. كانت تحاول الموازنة بين عملها في مجلة لارك ودراستها، وبين سفرها المستمر ورغبتها في أن ترى حلمها يكبر، فبالنسبة لها راحة الجسد لا تساوي شيئاً أمام لذة الوصول إلى الهدف. كان قلبها الطموح معلقاً بالدكتوراه حتى قبل أن تنهي الماجستير، هكذا قالت لي عائلتها، وترى في نفسها أستاذة جامعية تنير درب طلاب آخرين يوماً ما، وكل ذلك كان بدعم والدها الذي لم يتوان عن مؤازرتها في كل خطوة، دون أن يدرك أن حريقاً غادراً سيبتلع جدران مركز تجاري ويحرق أحلامه بابنته المدللة

كانت العائلة تنتظر يوم المناقشة كما ينتظرون عرساً لابنتهم الجميلة، ينسجون لحظاته في خيالهم منذ أشهر، يحزمون قلوبهم قبل حقائبهم استعداداً للسفر إلى البصرة ليشهدوا تتويج سنوات الكفاح بفرحة لا تُنسى. لكن الرياح هبت بما لا تشتهي القلوب، فجاء اليوم الموعود بوجع الفقد لا بفرحة الإنجاز. غابت رغد عن مقعدها وحضرت صورتها الموشحة بالسواد، وجلس الحاضرون يتطلعون إلى منصة مناقشة الرسالة بعيون يغمرها الشوق، يتخيلونها هناك واقفة بكل فخر، تدافع عن رسالتها التي كتبتها بدموع السهر وأحلام السنين. لكن ما بقي من ذلك اليوم لم يكن سوى ذكرى تروى بصوت مخنوق، وصورة حزينة يحيطها شريط أسود، وشهادة حب ووفاء ينطق بها مشرفها الدكتور كاظم، شاهدة على أن العلم لا يموت وإن غاب أصحابه

 

كيف دُفن حلم رغد وأزهقت أرواح من كانوا معها؟

 

في الطابق الأول من مركز تجاري يدعى (هايبر ماركت الكوت) في محافظة واسط وسط العراق، انفجر جهاز تكييف في متجر للعطور، فاشتعلت النيران وتحولت في لحظات إلى وحش هائج ابتلع ما حوله، ونيران حولت المبنى ذي الطوابق الخمسة إلى جحيم مغلق على أبرياء لم يدركوا أن خطواتهم نحو التسوق ستكون الأخيرة في حياتهم وستكون طريقاً لموتهم. في دقائق معدودة، غصت أروقة المركز بالصراخ والدخان وطلب النجدة، لكن دون مجيب لأن المبنى كان خالياً من أدوات السلامة التي تساعدهم، فتفحمت أجسادهم لدرجة العجز عن التعرف عليهم، وهناك من اختنق في المصاعد والحمامات وهو يستنجد بلا مجيب، ومنهم من حالفه الحظ ليخرج جريحاً، يجر خلفه ذاكرة مثخنة بالدمع والرعب

هذا المبنى الذي احترق بعد أيام قليلة من افتتاحه، لم يكن سوى فخ قاتل مهيأ مسبقاً بفعل الإهمال، بلا مخارج طوارئ ولا طفايات حريق ولا أجهزة إنذار تحفظ الأرواح، مسؤولون عراقيون اعترفوا بأن هذا المكان كان مطعماً أغلق بسبب سجله الصحي السيئ، لكن ذلك لم يمنع منحه إذناً ليتحول إلى مركز تجاري ضخم خال من إجراءات السلامة وإعادة افتتاح المطعم سيء الصيت، وكأن الأرواح التي ستدخله بلا ثمن، وكأن حياة العراقيين مجرد بند يمكن تجاوزه في دفاتر الفساد

تضاربت الأنباء حول عدد الضحايا؛ الأرقام الرسمية تحدثت عن 69 قتيلاً، بينما أشارت وسائل إعلام محلية إلى 77، لكن الأرقام مهما اختلفت، تبقى الحقيقة واحدة: عشرات الأرواح احترقت أو اختنقت في كارثة ما كان لها أن تحدث لولا استهتار مزمن بحياة البشر. في العراق، يبدو أن النجاة من ويلات الحروب لا تعني النجاة من الموت، فالموت هناك يتربص حتى في أماكن اللهو أو البيوت أو المستشفيات، وحتى في المراكز التجارية التي كان يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً للعائلات

وهكذا، تنتهي حكاية رغد في هذا المبنى المشؤوم، لكنها ليست آخر المآسي، فما زال خلف الجدران المحترقة عشرات القصص المكبوتة، عشرات الأسماء التي اختفت خلف ألسنة النار، عشرات الأحلام التي خنقها الدخان، ولم يبق منها سوى صور معلقة، وقلوب أحبة تذوب حسرة على فراقهم، وألم عالق في وجدان بلد اعتاد أن يدفن ضحاياه بلا إنصاف ولا عدالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »