القطاع التعليميّ… بين القطاع واجبات مُؤَجَّلة وحقوق مُتجاهَلة (ستريدا بشير منذر)

الحقّ في التعليم هو حقّ أساسي ووسيلة لتمكين الإنسان من التمتّع بسائر حقوقه، إذ يشكّل التعليم أداة للخروج من الفقر، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتمكين المرأة، وحماية الأطفال من الاستغلال، ونشر حقوق الإنسان والديمقراطية، كما أنّه استثمار حيوي للدول وله قيمة معرفية وروحية. والتعليم كحق ثقافي لا يقتصر على تلقّي المعرفة فحسب، بل يشمل أيضًا تقدير دور المعلّمين والمتعلّمين في المشاركة الفاعلة في الحياة التعليمية، ويقوم على إتاحة الفرصة للجميع للوصول إلى مجموعة واسعة من المعارف، وتطويرها، وتقاسمها مع الآخرين، إضافة إلى إمكانية استخدامها والإسهام في إنتاجها، كما يضمن نقل المعرفة بين الأجيال، داخل الأسرة وبين الشعوب.
تؤكّد لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن التعليم يجب أن يتّسم بأربع خصائص أساسية: التوافر، وسهولة الالتحاق، والقبول، وقابلية التكيّف. وقد صادق لبنان على اتفاقيات دولية تكرّس الحق في التعليم، بما في ذلك اتفاقيات مكافحة التمييز وتعزيز حقوق الطفل، التي تؤكد أنّ لكل فرد، بغضّ النظر عن جنسه أو خلفيته أو قدراته، الحق في الوصول إلى التعليم، وتحظر أي نوع من التمييز في هذا المجال، سواء بسبب العرق، أو الدين، أو الجنس، أو الإعاقة. ومن أهم وأبرز هذه الاتفاقيات اتفاقية حقوق الطفل (1989)، التي تنصّ على أنّ لكل طفل الحق في التعليم، والرعاية، والحماية من الاستغلال، وأنّ الدولة مسؤولة عن ضمان هذه الحقوق، وبالتالي فإن أي سياسة أو ممارسة تمنع فئة معيّنة من التعلم تُعد مخالفة لهذه الاتفاقيات.
لكن على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من كون هذا الحق أساسياً وإلزامياً، يُحرم بعض الأطفال ذوي الإحتياجات الخاصّة، ومن ضمنهم الأطفال المصابون بطيف التوحّد، من الالتحاق بالنظام التعليمي، فيما يُحوّل آخرون إلى مدارس متخصّصة، ما يؤدّي إلى فصلهم عن بقية التلاميذ وبالتالي عن المجتمع. كما لا يُقبل إدماج بعضهم في المدارس العادية إلا بشرط قدرتهم على التكيّف مع “المعايير” السائدة فيها. ورغم الجهود المبذولة من قبل الأهل لدعم أطفالهم في مسار التعليم، يُمنع أطفالهم من الوصول إلى مقاعد الامتحانات الرسمية بسبب حاجتهم إلى مرافق ظلّ معهم طوال الوقت، فتُقيّد فرصهم في متابعة التعليم الثانوي وبالتالي التخصصات الجامعية.
ما زال الأطفال المصابون بطيف التوحّد يواجهون عراقيل تحول دون حصولهم على حقهم الطبيعي والبديهي. فغياب سياسة دمج واضحة، ونقص التدريب لدى الكوادر التربوية، واشتراطات المدارس الرسمية والخاصة تجعل عملية قبولهم صعبة وتحدّ من فرصهم في متابعة مسارهم الدراسي. وتجدر الإشارة إلى أنّ العديد من هؤلاء الأطفال يمتلكون قدرات متميزة في مجالات مثل الرياضيات، الفيزياء، الفنون، الموسيقى، والرسم، إلا أنّ هذه الإمكانات غالبًا لا تُستثمر بالشكل الأمثل نتيجة غياب نظام موحّد يضمن دمجهم ضمن المدارس العادية، إضافة إلى محدودية التدريب والجاهزية لدى بعض المؤسسات التعليمية للتعامل مع احتياجاتهم الخاصة.
إنّ حقّ هؤلاء الأفراد في التعليم ليس مسألة شفقة أو امتيازات أو حتى إعفاءات، بل هو واجب تربوي ووطني تأخّرت الدولة في تنفيذه أو على الأقل في النظر فيه. ويتطلّب تأمين هذا الحقّ توفير بيئة تعليمية مناسبة تتيح لكل طفل أن يُعامل كفرد قادر ومنتج. من هنا، يجدر بوزارة التربية اللبنانية أن تتحمّل مسؤولياتها بشكل كامل، من خلال خطوات عملية وواضحة، تشمل: فتح المجال رسميًا لاستقبال طلاب طيف التوحّد في المدارس والمعاهد الرسمية والخاصة مع اعتماد سياسة دمج شاملة، تأمين برامج تدريب إلزامية للأساتذة والإداريين على أساليب التعامل مع هذه الحالات لضمان امتلاكهم أدوات تربوية فعّالة بعيدًا عن الجهل والعنف، ووضع آليات تمويل أو دعم رسمي تتيح توفير مرافق تربوي للطالب المصاب بطيف التوحّد دون أن يتحوّل الأمر إلى عبء مادي كبير على الأهل.
يعدّ التعليم الجامع أساسًا لضمان الحق في التعليم للجميع على قاعدة المساواة وعدم التمييز، ويتطلّب إزالة الحواجز المادية والاجتماعية التي تحول دون مشاركتهم في الحياة العامة، وتكييف المدارس والمناهج وطرق التقييم لتلبية احتياجاتهم وضمان مساواتهم مع الآخرين، إذ يوفّر التعليم الجامع بيئة تُقدّر مساهماتهم، ما يعزّز اندماجهم في سوق العمل والمجتمع.
إدماج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم العام يشكّل خطوة أساسية نحو تطوير قدراتهم، واستثمار طاقاتهم بشكل مثمر في مختلف الميادين. وتأخير اتخاذ الإجراءات المناسبة يفاقم التحديات التي تواجه هذه الفئة، ويحدّ من فرصهم في المشاركة الكاملة في النظام التعليمي والمجتمع. لذلك، من الضروري أن تضع الوزارة خططًا واضحة وفعّالة لتوفير بيئة تعليمية داعمة وشاملة، تتيح لهم حقّهم في التقدّم والنموّ.


