عيون متنوعة

الصندوق النروجي: خطوة تجميلية أم واقعيّة (ستريدا بشير منذر)

 

أعلن صندوق الثروة السيادية النروجي وهو الأكبر في العالم بأصول تتجاوز تريليوني دولار، عن بيع استثماراته فى 11 شركة اسرائيليّة، ليضيفها الى حصيلة الشركات السّتّ للعام 2024، مبرّرًا الخطوة بأنها تأتي في إطار تعديل إداريّ يهدف إلى حصر الاستثمارات في الشركات المدرجة ضمن مؤشر الاسهم القياسي.

قد يبدو القرار مرتبطًا بمسألة إدارية بحتة، لكن في الواقع، لا يمكن عزله عن السياق السياسي المتوتر المتعلق بالحرب في غزة والضفة الغربية، كما أكّد المدير التنفيذي لصندوق الثروة النروجي، نيكولاي تانجينن، أنّ هذه الإجراءات اتخذت استجابة “لظروف استثنائية” تتمثّل “بأزمة إنسانية خطيرة” في غزة.

إنّ بيع الاستثمارات النروجية يأتي على خلفيّة من التوترات السابقة التي برزت خلال العام الماضي بعد الغاء إسرائيل الصفة الدبلوماسية للمسؤولين النرويجيين العاملين في مكتب تمثيل بلادهم لدى السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية، كردّ على اعترافها بدولة فلسطين، بالاضافة الى تعارض شروط الاستثمار التي يتّبعها مجلس المعايير الاخلاقية، وهو هيئة استشارية توجه استثمارات الصندوق، مع المماراسات الاسرائيلية التي تنتهك القوانين الدولية.

بلغت استثمارات الصندوق في إسرائيل حتى نهاية حزيران 2025، نحو 2.24 مليار دولار موزعة على 61 شركة، أي أقل من 0.1% من محفظته الكلية. بعد عمليات البيع الأخيرة التي شملت 17 شركة، تراجع الانكشاف إلى 2.09 مليار دولار فقط. بالنسبة لصندوق بهذا الحجم، يعتبر هذا المبلغ ضئيلًا جدًّا، ولا يمكن أن يترك أثرًا واضحًا على عوائده الإجمالية. لكنّ عملية الخروج بحدّ ذاتها، تترك أثرًا رمزيًا وسياسيًا يفوق حجمها المالي، إذ تشكّل بالنسبة لبقية المستثمرين العالميين، إشارة إلى أنّ السوق الإسرائيلية أصبحت موضع مراجعة وربما موضع تحفظ.

المفارقة، أن الصندوق لم ينشر أي تفاصيل دقيقة عن طبيعة أرباحه أو خسائره من هذه العمليات، ولا عن القيمة السوقية الفعلية للشركات المباعة، كما لم يُفصح عن أهمية هذه الشركات مقارنة بتلك التي أبقى عليها في محفظته. هذا الغموض يثير تساؤلات حول جدّية التبريرات المقدّمة، فالقول أنّ هذه  العمليّة أتت بهدف الالتزام بما يتيحه مؤشر الأسهم القياسي، يخفي أن الصندوق كان قد دخل أساسًا في استثمارات خارج المؤشر عبر مديرين خارجيين، بحثًا عن عوائد إضافية، قبل أن يقرر فجأة أن هذه الاستراتيجية لم تعد تناسبه. وإذا كان الهدف اتخاذ موقف حقيقي ضد تمويل آلة الحرب الإسرائيلية، لكان من المنطقي أن يوقف الصندوق استثماراته في جميع الشركات الإسرائيلية دون استثناء، فإسرائيل لا تستفيد من شركات الصناعات العسكريّة فحسب، بل من جميع الشركات العاملة على أراضيها، وذلك عبر الضرائب والرسوم التي تصب في خزينة الدولة، وهي بدورها تُستخدم في تمويل الجيش وبالتالي استمرار الحرب.

الاكتفاء ببيع حصص في عدد محدود من الشركات الصغيرة أو المتوسطة لا يغيّر جوهر العلاقة الاقتصادية ولا يوقف تدفق التمويل غير المباشر إلى الدولة. ما يفعله الصندوق أقرب إلى خطوة “تجميلية” تهدف إلى تبييض صورته أمام المجتمع الدولي، وإلى الإيحاء بأنه يلتزم بمعايير المسؤولية الاجتماعية والانسانيّة، في حين أن استثماراته ما زالت قائمة في عشرات الشركات الإسرائيلية، وما زالت الدولة المستفيدة هي نفسها.

بذلك يصبح القرار أدنى مرتبة من  التحوّل الجوهريّ، وأعلى مرتبة من التكييف السياسي لتخفيف الضغط المحلي والدولي. ما قدّمه الصندوق من مبرّرات لجهة الاستثمارات أو الالتزام بالمعايير، ليس سوى انسحاب جزئي للحفاظ على مصالحه، ويترك الباب مفتوحًا لمواصلة الاستفادة من السوق الإسرائيلية، فيما يُقدّم للرأي العام خطوة منمّقة وذات بعد أخلاقي. النتيجة أن الخطوة تبقى سطحية، لا تعالج حقيقة مساهمة رأس المال العالمي في استمرار آلة الحرب، بل تكتفي بمعالجة صورة الصندوق أمام عدسات الإعلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »