بيهاوس بيروت: ذاكرة حيّة في قلب الجميزة

بقلم: سارة هنداوي
حين تصرخ الجدران
لم نعد نسمع صدى خطواتنا في بيروت كما كان سابقًا. المدينة التي عشقناها صارت تُهمس بأصوات الخراب، والمباني التي كانت تحتضن أحلامنا اليوم تهتزّ من أثر الانفجارات والأنقاض. لكن هناك بيتٌ واحد رفض أن يستسلم للنسيان، وقرّر أن يكتب الحياة من جديد. مشروع بيهاوس ليس مجرد ترميم، بل صرخة حيّة تقول: “بيروت ما زالت تستطيع أن تحيا”
(صحيفة “النهار”، 2025).
حين يرفض البيت أن يموت
منذ انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، تحوّلت أحياء الجميزة إلى مسرح للدمار، حيث تكسّرت واجهات البيوت العثمانية القديمة وتحولت إلى أطلال صامتة. ثلاثة منازل صغيرة قرّرت أن تكتب فصلاً جديدًا في تاريخ المدينة. هكذا وُلد مشروع بيهاوس، الذي أعاد الحياة إلى الركام، مُحوّلاً إياه إلى مساحة ثقافية تُعيد رسم صورة بيروت
(صحيفة “النهار”، 2025).
هندسة تحكي لغة المدينة المزدوجة
تولّت شركة Dagher Hanna & Partners مهمة استعادة هذه المنازل، مدمجة بين الحجر العثماني التقليدي وحديد Corten العصري. النتيجة ليست مجرد ترميم، بل “بيت هجين” يفتح أبوابه للذاكرة والمستقبل معًا: مكتبة ومساحات قراءة نهارًا، بار ومطعم وفضاء فني ليلًا، وورشة سيراميك وحديقة على السطح تطل على المدينة
(موقع “ArchDaily”، 2025).
بيروت تكتب نفسها من الداخل
لم تُترك مهمة تصميم الداخل للمصممة البريطانية Linda Boronkay وحدها، بل شارك الحرفيون اللبنانيون في تنفيذ كل قطعة خشب وزجاج وموزاييك. وكأن البيت كتب نفسه من خلال أيادي المدينة. النتيجة: مسرح صغير للحياة اليومية، لا متحف متجمّد
(مجلة “DesignBoom”، 2025).
شهادات حيّة: حكايات من قلب الجميزة
سليم حمدان، أحد سكان الحي الذي فقد منزله في الانفجار، قال:
“دخلت بيهاوس لأول مرة، شعرت أن البيت يبتسم لي… كأن الجدران تقول إننا ما رح نُنسى”
(صحيفة “النهار”، 2025).
ليلى فرحات، فنانة تشارك بورش السيراميك:
“كل قطعة أشتغل عليها تحكي قصة بيروت، قصة ألم وتجدّد. البيت يعلّمنا كيف نحب المدينة من جديد”
(موقع “ArchDaily”، 2025).
جورج أسعد، زائر منتظم:
“بيهاوس هو المكان الوحيد اللي أحس فيه أن الذكريات ممكن تعود، وأن الدمار ممكن يتحول إلى حياة”
(مجلة “DesignBoom”، 2025).
ذاكرة في مواجهة النسيان
منذ عام 2007، تُحذّر وزارة الثقافة اللبنانية من خطر انهيار التراث العمراني، إذ فقدت العديد من البيوت القديمة أو تحوّلت إلى مشاريع تجارية. لكن بيهاوس جاء كنقيض: بيت يُصر أن يكون ذاكرة حيّة. وأكّدت منظمة اليونسكو دعمها للمبادرة، مشيرة إلى استمرار حماية المباني التراثية الأخرى مثل مسرح مار مخايل ضمن خطة إبقاء قلب بيروت نابضًا (UNESCO Lebanon Report، 2025).
بيت يعلّم المدينة أن تنجو
بيهاوس ليس جدرانًا أُعيد بناؤها، بل رسالة: المدن، مثل البشر، تستطيع العودة إلى الحياة حتى بعد الكارثة. الذاكرة ليست عبئًا، بل وقودًا للمستقبل. في زمن الانهيارات، صار بيت صغير في الجميزة يُعلّمنا أن بيروت ما زالت تعرف كيف تنجو
(صحيفة “النهار”، 2025)
بين الركام والحياة
حين نمر بجانب البيوت المهدمة، نشعر بالوحدة، لكن بيهاوس يُعلّمنا أن الروح تبقى حيّة، حتى في أعمق الخراب. كل حجر أعيد وضعه، وكل نافذة صُقلت، وكل كتاب وضع على رفّ، يهمس للمدينة: لا تنسِ تاريخك، لا تهمل جذورك، ولا تتوقف عن الحلم. بيروت ليست مجرد جدران، إنها ذاكرة حيّة، وصوت حيّ للمستقبل
(مجلة “DesignBoom”، 2025).



