“ذي عين”… تراث سعودي عريق

“ذي عين” أو “ذو عين” فاللفظين درجا عند سكان القرية التي تحمل هذه التسمية، الواقعة في منطقة الباحة، متربعة على قمة جبل، ضمن أراض تسكنها قبائل بني عمر الأشاعيب.
قرية “ذو عين” تًعرف بعراقتها وقدمها وأصالتها، فضلاً عن جمال طبيعتها الأخاذ الذي يأسر الألباب؛ حيث تقع وسط طبيعة جميلة ساحرة.
مناخ القرية حار صيفاً ومعتدل شتاءً لكونها جزءاً من منطقة تهامة، وترتفع عن سطح البحر بقرابة 1985 متر تقريباً، والأمطار فيها غزيرة في الصيف ومتوسطة في الشتاء.
والقرية عمرها أكثر من 400 عام، بحسب موقع منظمة اليونسكو، وهي إحدى أهم القرى التراثية على مستوى المملكة، حيث شيدت قصورها البالغ عددها 58 قصراً والمبنية بالحجر، على جبل من المرو الأبيض، وتضم القرية مسجداً.
تميزت القرية بالمياه الجارية طوال العام، تنساب من عين مائية ومنها أخذت اسمها، وكانت سبباً في أن يتخذ سكانها الزراعة مهنة أساسية لهم.
وجود عين مياه جارية كانت وراء وجود القرية وما تزال تنبع بالمياه بنفس القوة؛ لتسقي حقول المزروعات أسفل القرية.
ومن أشهر المزروعات في ذي عين؛ الموز والعنب والنخيل وغيرها من المزروعات المتعددة التي كانت تكفي القرية.
تضم القرية 49 بيتاً، منها 9 مكونة من دورٍ واحد و19 من دورين و11 من ثلاثة أدوار و10 من أربعة أدوار.
بنيت القرية على نظام الحوائط الحاملة “المداميك” وعرض الحوائط بين 70 إلى 90 سنتيمتراً تقريباً.
وسُقِّفت المباني باستخدام خشب السدر أما الغرف الكبرى فسقِّفت بأعمدة تعرف باسم “الزافر”، وفوق خشب السدر يوجد نوع من الحجارة يعرف “بالصلاة” وتغطى الأحجار بالطين.
تستخدم الأدوار السفلية للاستقبال والجلوس والأدوار العليا للنوم، وبعض المباني ما زالت قائمة منذ نشأة القرية وبعضها متهدم جزئياً وبعضها بالكامل.
شهدت قرية ذي عين العديد من الغزوات بين القبائل قبل توحيد المملكة على يد الملك عبد العزيز آل سعود (1876-1953).
ومن أهم الغزوات التي تعرضت لها المنطقة هي عندما تقابل جيش قبيلتي زهران وغامد من جهة، مع جيش محمد علي باشا من جهة أخرى، وانتهت المعركة بهزيمة جيش محمد علي باشا وتعرف مدافنهم باسم “قبور الأتراك”.
ونظراً لما تملكه القرية من خصائص طبيعية وتراثية، خصصت هيئة السياحة السعودية مبلغ 16 مليون ريال من أجل مشروع تأهيلها منذ عام 2009؛ لتصبح اليوم مزاراً سياحياً هاماً.
ويفخر السعوديون بأفراد من أهالي قرية ذي عين، كان لهم الدور البارز في تأهيلها، وخلق العديد من الأنشطة والفعاليات التي تساهم في دعم قريتهم سياحياً.
ويكفي دليلاً على أهمية هذه القرية وتميزها وتفردها زيارة السفير الياباني فيمو إي واي، لها وإشادتها بها.
يقول يحيى عارف، عضو هيئة السياحة والآثار بالباحة المشرف العام العام على القرية لـ”العربية نت” إن “بلدة ذي عين كادت أن تختفي لولا مشروع إعادة تأهيلها من جديد”.
وبيّن عارف أن “القرية التراثية أصبحت مقراً للأنشطة والفعاليات، وموقعاً للزيارات واستقبال الضيوف، وواحدة من مفاخرنا المعمارية والتراثية في الباحة”.
ويستقبل أهالي الباحة في قرية ذي عين ضيوفهم بمجموعة من الفنون الشعبية ومن بينها الخطوة، وكذلك بالأكلات الشعبية الشهيرة بالقرب من شلال المياه الواقع بين القرية التراثية وأشجار الموز وغيرها من المزروعات.
ويعمد أهالي القرية لتنظيم أنشطتهم بجانب جداول المياه منذ القدم. وهم يشتهرون بالأهازيج الخاصة بالترحيب وأهازيج الحصاد وغيرها من الأنشطة والفعاليات المتعددة.
لا تذكر قرية ذي عين، إلا وتذكر معها أسطورة الرجل صاحب العصا؛ فوفقاً لسكان القرية كان هناك حاجاً يمنياً أراد الحج، وكان يحمل عصا تُسمى “الغدارة” وفي طريقه مر بمحافظ تعز باليمن، وأراد أن يشرب من إحدى آبارها ويتزود بالماء؛ فنزل بداخل البئر وشرب فسقطت عصاه بداخل تلك البئر.
تفيد الرواية أن تلك العصا كانت مملوءة بجنيهات الذهب التي يحملها معه أينما ذهب خوفاً عليها من السرقة؛ فأخذ يتابعها من قرية إلى قرية ومن جبل إلى جبل؛ حتى وصل لقرية ذي عين؛ حيث كان يوجد بها نبع قليل جداً.
وأبلغ الرجل الأهالي بأنه سيزيد من منسوب هذه العين؛ ولكنه اشترط عليهم شرطاً بأن ما يخرج في بداية الماء يكون له؛ فوافق الأهالي على ذلك الشرط؛ فطلب معولاً، وبدأ يحفر أسفل الجبل؛ فخرج الماء باندفاع شديد، وفي مقدمته عصاه (الغدارة) ففقأت إحدى عينيه.
وفقاً لما يروى، أخذ الرجل عصاه ومشى، وطمع الأهالي بتلك الثروة فقتلوه، ويقال إن الماء يتوقف في المكان الذي قُتل به ذلك الرجل، وينزل في جوف الأرض؛ وهذا سبب تسمية “ذي عين”؛ نسبة إلى الرجل الذي فُقِئت عينه.
القرية تسطنها عوائل من قبيلة بني عمر الأشاعيب، التي تعود إلى زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
سكان القرية اليوم اليوم يسكنون في مك، فكل شيء في قريتهم له اهمية لدى السائح الذي يود التعرف على كل ما تمثله هذه القرية من تراث وطبيعة، وكيف سكن أهلها هذه المنطقة الجبلية الوعرة، وكيف تأقلموا مع بيئتها التي يصعب الوصول إليها.
وينشر أحمد الغامدي، وهو مرشد سياحي سعودي، مقطفات من زيارة سياح أجانب يرافقهم في جولات سياحية تشمل قرية ذي عين



