ثقافة و فن

شعر “الديارات”: شعراء قُدامى يستلهمون قصائدهم من أديرة مصر التاريخية

اشتهر العديد من شعراء العربية القدامى بحب العزلة التي تقدح قريحة الشعر، ووجد بعضهم في الأديرة المسيحية النائية -بمصر والشام والعراق في العصر العباسي- خلوة ألهمتهم قصائد شعرية ذات سمات فنية وأسلوبية متأثرة ببيئتها.

واحتلت الديارات -وهو جمع سماعي- أو الأديرة القبطية قديما مساحة كبيرة في دواوين الشعراء القُدامى من المصريين، كما تجلى ذلك اللون الشعري عند الشعراء الذين جاؤوا مع جيوش الفتح الإسلامي (19هـ/640م-21هـ/642م) وعاشوا في مصر وتأثروا بأجوائها.

وشعر “الديارات” أو الأديرة، يُعد امتدادًا للون أدبي شاع في العصر العباسي في شعر أبي نواس ورفاقه من شعراء المجون الذين عبّروا به عن عدم التزامهم السير على النهج المعتاد، أو بالأحرى ثورتهم على الشعر العربي. فقد راح هؤلاء الشعراء يستبدلون بذكر الأطلال والدمن أحاديثهم عن الخمر وساقيها من الغواني الحسان أو المرد من الغلمان، مفضلين تصاوير الكأس ولوحاتها المنقوشة بالصور الفارسية الجميلة. وظهر في هذا اللون الأدبي اختلاف شخصية الشعراء المصريين الذين وصفوا الطبيعة، لا وصف مقلد بل متأملين في جمالها الذي زاده النيل عذوبة وأغنته البساتين بما فيها من تنسيق بديع.

وقد تتبعت الباحثة والناقدة المصرية الدكتورة حنان الشرنوبي، تاريخ ذلك اللون الأدبي في مصر منذ الفتح العربي وحتّى العصر المملوكي، في دراسة موسعة.

وقالت الشرنوبي لوكالة الأنباء الألمانية: إن دراستها تهدف لإعطاء صورة لشعر الكنائس والأديرة في مصر في هذه الفترة الممتدة من الفتح العربي إلى العصر المملوكي، وهي فترة طويلة حفلت بالعديد من الشعراء، بجانب أنّ الدراسات السابقة اقتصرت على تناول شعر الديارات في القرون الهجرية الثلاثة (الثاني والثالث والرابع) فقط، وذلك بحسب قولها.

وحاولت الدكتورة حنان من خلال دراستها تقديم الأسباب التي دفعت الشعراء إلى اللجوء إلى الكنائس والأديرة، وربطت ذلك بالظروف السياسية والتحولات الفكرية والعقدية المتغيرة، وقدمت قراءة نقدية لهذا اللون الشعري في مصر منذ أن وطئت خيول الفتح تربتها محررة وناشرة الدين الإسلامي واللغة العربية، كما تجلى عند الشعراء المصاحبين للجيوش الإسلامية والذين سكنوا مصر وغردوا تحت سمائها.

وبحسب فصول الدراسة، فقد تطورت الحياة الاجتماعية في مصر تطورا كبيرا خلال العصر الإسلامي، مما أدى إلى الاهتمام بمظاهر الحياة المختلفة، وواكب الشعراء هذا التطور فحفل شعرهم بتصوير مظاهره، فصوروا العمائر من قصور ودور وصوروا البساتين والبرك وكذلك الديارات القبطية التي قصدها الشعراء المصريون كموطن من مواطن الطبيعة الجميلة، حيث كانت هذه الديارات متنزهات عامرة أوحت للشعراء بالكثير من أشعارهم.

وقد أوردت الدراسة الكثير من المصادر التي تناولت شعر الديارات في مصر، واحتوت على نصوص شعرية محققة تناولت بعض الأديرة المسيحية التاريخية الذائعة الصيت فيها.

ولعل من بين أهم المصادر التي وردت في الدراسة، كتاب “الديارات” لمؤلفه أبو الحسن علي بن محمد الشباشتي، حيث عدّد الشباشتي فيه أهم الأديرة وأشهرها وأكثرها ورودًا في الشعر المصري.

واستعرضت دراسة الدكتورة حنان الشرنوبي تاريخ بعض تلك الأديرة، وأوردت ما قيل فيها من قصائد، مثل دير القُصَير الذي تقول المصادر التاريخية إنه يقع في ضاحية حلوان بالعاصمة المصرية القاهرة، على رأس جبل مشرف على النيل في غاية النزاهة والحسن، وكان أهل مصر يتنزهون فيه لقربه من الفسطاط.

ومما ورد في وصف الدير: “أنه دير حسن البناء محكم الصنعة، تره البقعة، فيه رهبان مقيمون به، وله بئر مقورة في الحجر يستقي الماء له منها، وأحد الديارات المقصودة لحسن موقعه وإشرافه على مصر وأعمالها”.

الدراسة لفتت أيضا إلى ذلك الموقع الساحر الذي تميز به هذا الدير، حيث يطل على النيل والصحراء، فيثير الخيال بما جمع من متناقضات، فيقصده الرهبان والنساك للعبادة، ويشد الشعراء رحالهم إليه للتمتع بطبيعته.

وهكذا تدل دراسة الشرنوبي على أن شعراء مصر المعروفين كانوا على اتصال بالأديرة، يحضرون مجالسها، ومنهم ظافر الحداد الذي يبدو أنه كان يختلف إلى الكنيسة المرقسية قرب محطة الرمل في الإسكندرية، وابن عاصم الذي كان يتردد على دير طمويه، ومن هؤلاء الشعراء أيضا تميم بن المعز، وابن النبيه، والبهاء زهير، وغيرهم.

ورصدت الدراسة ما اتسمت به الشخصية المصرية في أدب الأديرة من ميل إلى الفكاهة، وما اتسم به أسلوب هؤلاء الشعراء من وضوح في المعنى وسهولة في اللفظ وصدق في التصوير، وما اتسم به هؤلاء الشعراء من تمرد وتناقض.

وتذهب الشرنوبي في دراستها إلى التأكيد على أن علاقة الشعر العربي بالديارات والرهبان قديمة قدم هذا الشعر نفسه، إذ نجد شعراء العصر الجاهلي يتغنون بالديارات والرهبان بل بطقوس الديانة، ويبدو أن الرهبان في الجاهلية كانوا مثالا على حسن العبادة من الصوم والصيام.

ويسير الأمر على هذا النحو إلى أن نصل إلى العصر العباسي، فنجد الأديرة قد أصبحت جزءا من نسيج هذا العصر، ومن شعره ومظهرا من مظاهر حياته اليومية.

وبحسب الدراسة، فقد اشتهر الشعر بالأديرة، واشتهرت الأديرة بالشعر، حتى أصبحت الأديرة من موضوعات كتب المنتخبات الشعرية في القديم، وأفردت مصنفات مستقلة لها مثل الديارات للأصفهاني والديارات للشابشتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »