استقالة الدكتور بديع مطر من عضوية مجلس ادارة أوقاف طرابلس لظروف خاصة – هذا ما جاء في كتاب الاستقالة…

بسم الله الرحمن الرحيم
سماحه مفتي طرابلس والشمال
نائب رئيس المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى
رئيس مجلس إدارة دائرة أوقاف طرابلس
رئيس مجلس إدارة صندوق الزكاة في طرابلس والشمال
الشيخ محمد امام حفظه الله
الموضوع: إستقالتي من عضوية المجلس الإداري لدائرة أوقاف طرابلس
مقدم الاستقالة: الدكتور بديع أحمد مطر – عضو المجلس عن فئة التجار
التاريخ: 30-6-2024
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، أما بعد… أرجو أن تكونوا بخير وبأحسن حال.
أود أن أشكركم على ثقتكم الغالية بتسميتي لعدة سنوات لعضوية مجلس ادارة دائرة أوقاف طرابلس، أرجو الله أن يتقبل مني عملي وان أكون عند حسن ظنكم بي.
منذ استلمنا هذه المسؤولية أخذنا على عاتقنا تغيير النهج الاداري لا بل تغيير الهواء في دائرة الأوقاف وقيادة برنامج تحولي انقاذي تطويري معاصر. جئنا في أحلك الظروف، أزمة اقتصادية خانقة، فلتان أمني، وجائحة كورونا، لا كهرباء، لا ماء، لا محروقات، لا مواصلات.
قمنا بحملات عدة، دعائية وترويجية لرفع الوعي وكسب ثقة المجتمع، جميعها حققت مستهدفاتها ولله الحمد. فقد استطعنا أن نلفت الأنظار الى مفهوم الوقف، وجذبنا السياح من جميع المناطق اللبنانية ومن جميع دول العالم، جذبنا مستثمرين ورؤوس الأموال، وقعنا اتفاقيات تعاون محورية، وتعاونا مع جمعيات دولية حتى قيل عن دائرة الأوقاف أنها أصبحت تلعب في “دوري المحترفين”.
ولأن هيبة الأوقاف من هيبة دار الفتوى، ولأننا نعتبر أن دار الفتوى تملي ولا يملى عليها، لم نوفر جهداً في سبيل استعادة العقارات المحتلة، وتحرير العقارات ذات العقود الايجارية التمديدية، فلم نقبل أن نشهد زوراً أو نسلك أموراً أو نغض النظر، وقررنا مواجهة المعتدين بجميع أشكالهم مهما عظم شأنهم، وكنا سداً منيعاً للتجاوزات، ولم نمرر المشاريع المشبوهة، بل واجهناها ببسالة ولم نستسلم يوماً للتهديدات والمخاطر المحدقة، بل كنا نزداد ثقةً بالله كلما زادت التحديات بأننا على حق، ولن ننكسر.
واعتباراً منا أن البشر قبل الحجر، أطلقنا عشرات المبادرات والندوات والدورات التي شارك فيها الالاف من الناشئة والشباب والشابات والأمهات، هدفت جميعها لتثبيت القيم الحميدة والمفاهيم القويمة والعقيدة السليمة وحماية الأسرة من الهجمات المتكررة والممنهجة وحماية الفطرة السليمة من الشذوذ بجميع أشكاله.
ولأن الحجر هو جزء لا يتجزء من تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا، اطلقنا نداء الواجب، فلبى أهالي طرابلس النداء، وانهالت علينا التمويلات من كل حدب وصوب لترميم وتأهيل وتجهيز مساجدنا ومدارسنا الدينية ومقابرنا ومرافقنا وعقاراتنا.
ولأن الطاقة البديلة هي الحل الأكثر ذكاءً، ولأننا نؤمن بأن من ينتج طاقته الكهربائية بيده كمن يطبع ورقته النقدية بيده، اثرنا أن نولي المرافق العامة في المدينة أولوية قصوى وتزويدها بالطاقة الشمسية، الأمر الذي ساهم بشكل كبير باعادة دورة الحياة الى ما كانت عليه قبل الأزمة.
لكن ونظراً لظروف خاصة تتعلق بأولوياتنا، وبصفتكم رئيساً لمجلس إدارة دائرة أوقاف طرابلس الموقّر، أستأذنكم وأتقدم من سماحتكم بإستقالتي من عضوية المجلس، مفسحاً المجال أمام الطاقات الطرابلسية الطيبة، متمنياً لكم وللمجلس النجاح باستكمال ما كنا قد بدأناه سوياً من عملية نهضة شاملة تبدأ بمراجعة قوانين الاستثمارات وبضبط الحوكمة وزيادة منسوب الشفافية والمكننة والتطوير الإداري والتوسع في الهيكل التنظيمي وتنفيذ الخطة الاستراتيجية التي طورناها وتمت الموافقة عليها من قبل مجلس الإدارة بالإجماع، فلا غنى عن الدفع قدماً لتوجيه دائرة أوقاف طرابلس إستراتيجياً بعيداً عن الارتجالية والعشوائية في الأداء، سيما وأنها كمؤسسة عريقة تختزن مخزوناً هائلاً من المقدرات الاقتصادية وكنوزاً يجب إستخراجها، كما وأنها تمتلك أصولاً وعقارات في مواقع استراتيجية فريدة يجب الحفاظ عليها وتنميتها واستثمارها حسب الأنفعية وبطرق غير تقليدية وبعيداً عن المصالح الضيقة.
دائرة أوقاف طرابلس هي أكبر مالك في طرابلس والشمال وهي من كبرى المؤسسات في طرابلس من حيث القيمة السوقية، وعدد الموظفين، وعدد الأراضي، وعدد الأمتار، وعدد الوحدات المبنية وعدد أشجار الزيتون. لا بل تعتبر دائرة أوقاف طرابلس أكبر دائرة وقفية في لبنان من حيث القيمة السوقية، وتمتد وقفياتها الى خارج حدود لبنان. فهي تمتلك أسواقاً وقلاعأ وجبالاً وسهولاً.
إن دور دائرة الأوقاف لا يقتصر على الاقتصاد والمال والأعمال فحسب، بل على حماية الفطرة السليمة والعقيدة والقيم والأخلاق المحمدية السمحاء من خلال دعم العلم الشرعي وتوفير مناخ حاضن للعلماء ورعايتهم وتثبيتهم.
دائرة أوقاف طرابلس أمانة عندكم يا صاحب السماحة، فهي مؤسسة قيادية… إن قامت الأوقاف في طرابلس … قام المجتمع بأسره وبجميع فئاته وساد السخاء والإرتياح في نفوس الرعية وتحرّكت عجلة الاقتصاد والفكر والمنطق والانجاز، وثبتتْ القيم والعقيدة الإسلامية لدى الأجيال القادمة.
إن صحّة دائرة الأوقاف في طرابلس هي دليل على صحّة هوية طرابلس (مدينة العلم والعلماء) وأهلها وعلمائها، تلك المدينة الطيبة التي تستأهل “مي العين”.
ولعل خير ما أختم به بأية من القران الكريم (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)
اسمح لي يا صاحب السماحة أن أوصيكم بأيقونة طرابلس “الجامع المنصوري الكبير” والمنطقة المحيطة به وحمام النوري ومسجد العطار، كما وأوصيكم بأوقاف بربراغا (وتحديداً أرض ضهر العين) وقلعته في ايعال، وأوصيكم بترميم وتفعيل ما تبقى من ال35 مدرسة دينية المنتشرة في المدينة لنشر الدين ولتثبيت العقيدة، وأخيراً أوصيكم برعاية العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وتطوير مهاراتهم وتجهيزهم بالأدوات الدعوية المعاصرة التي تمكنهم من مواجهة تحديات الحياة اليومية والعيش بكرامة وأداء مهامهم على أكمل وجه.
شكراً لتفهمكم، وتقبلوا مني هذه الإستقالة مع فائق الاحترام والتقدير…
الدكتور بديع أحمد مطر


