ثقافة و فن

أطفال بلا أحلام: الجيل الذي كبر قبل أن يُولد

واقع مأساوي يتطلب تحركاً فورياً…

بقلم: سارة هنداوي

حين يصمت الطفل… تأكّد أن الحلم مات

الساعة السابعة صباحًا…

في بلدانٍ أخرى، يصحو الأطفال على صوت المنبّه، يلبسون حقائبهم، يتناولون فطورًا سريعًا، ويهرولون نحو مدارسهم.

في لبنان، يصحو بعضهم على صفعة البرد، أو صراخ الحاجة، أو رائحة الخبز الناشف.

بعضهم لا يحمل حقيبة، بل كيسًا فيه مناديل.

وبدل أن يسير إلى صفّه، يركض إلى ناصية شارع مزدحم، ليلحق بزبون عابر قد يرمي له ليرة أو نظرة.

 

هكذا تبدأ الطفولة…وهكذا تنتهي أحلامها.

في بلدٍ كان يُفترض أن يمنح الطفل فسحةً من براءة ودهشة، يجد الصغار أنفسهم في مواجهة ما يعجز الكبار عن احتماله، حيث الجوع لا يُنسى، والتعليم يتلاشى، واللعب صار حلمًا بعيد المنال.

صمتهم ليس مجرّد غياب صوت، بل صرخة داخلية مختنقة، لغة وجع لا تسمعها الآذان إلا حين تُطفأ شمعة الحلم في أعينهم.

في شوارع بلا ضحكات، ومنازل شاهدة على عجز الكبار، ينمو هذا الجيل وسط ضياع الفرص وترنّح الأمل.

انتظار مستمر لمستقبل ربما لن يرى النور.

 

بين المدرسة والشارع: دربٌ بلا ضوء

في لبنان اليوم، بات التعليم امتيازًا لا حقًا، والمدرسة حلمًا لا واقعًا.

انهيار المؤسسات، ارتفاع كلفة التسجيل والكتب، وغياب الدعم، جعل التعليم الرسمي خاضعًا لمجهول.

بحسب تقديرات اليونيسف لعام 2023، هناك أكثر من 700 ألف طفل خارج المدرسة، محرومين من أبسط حقوقهم.

في زمن كان يُفترض فيه أن تكون المدرسة ملاذًا، بات الشارع هو البديل.

وبديل لا يضمن الأمان أبدًا.

 

لعب ضائع وأحلام مهجورة

أين الملاعب التي كانت تفيض بالضحكات؟

وأين صوت الحياة الذي كان يشجع على الحلم؟

بدلًا من الركض خلف الطابات، يركض الطفل اللبناني خلف الرغيف.

وبدلًا من صخب اللعب، يرافقهم صمت القلق.

هذا الغياب الطفولي يترك أثرًا عميقًا في شخصياتهم، ويجعلهم ينظرون إلى العالم بارتياب وخوف.

إنه جيل ينضج على خوفٍ بدلًا من فضول، على مسؤوليات لا تشبه عمره.

طفل يعمل… لا يلعب

في الشوارع والأزقّة، بات العمل الطفولي قميص واقع لا يُفارق آلاف الأطفال.

تقارير الوكالة الدولية للعمل ومنظمة اليونيسف لعام 2023، تشير إلى زيادة بنسبة 50% في عمالة الأطفال في لبنان، نتيجة الأزمة الاقتصادية وغياب تطبيق القانون.

هذا الواقع سرق من الطفل حقه بالتعلّم واللعب، وهو تهديد حقيقي للنسيج المجتمعي بأكمله.

ومن قصص هذا الواقع، برزت قصة “جورج”، طفل لبناني في العاشرة من عمره، ترك المدرسة قبل عامين بعدما عجز والداه عن دفع كلفة النقل.

يعمل اليوم في محل لتصليح الإطارات، مقابل بضعة دولارات يوميًا.

وحين سأله أحد أعضاء المنظمة عن حلمه، أجاب بخجل:

“كنت بدي صير مهندس… بس هلّق بدي اشتغل مشان نعيش.”

صحة نفسية مهملة: ألمٌ صامت

وراء الجروح الجسدية، هناك جروح نفسية أعمق.

مسح أجرته اليونيسف في يناير 2025 أظهر أن 72% من الأهل أبلغوا عن مظاهر قلق وتوتر لدى أطفالهم، و62% عانوا من أعراض اكتئاب.

في البيوت الصغيرة، ينام الأطفال على وسائد من خوف، ويستيقظون على قلقٍ دائم.

هذا الألم الداخلي يصقل نظرتهم للعالم، وقد يدفعهم لاحقًا إلى مسارات خطرة… إن لم ننتبه قبل فوات الأوان.

من يقف إلى جانب الطفولة اللبنانية؟

الأهالي يصرخون، والمجتمع المدني يحاول، بينما الدولة لا تزال في موقع المتفرّج، تنتظر خطة أو ردة فعل.

تقرير اليونيسف في شباط 2025 حذّر من أن أكثر من 500 ألف طفل وعائلاتهم مهدّدون بفقدان الدعم النقدي والخدمات الأساسية.

مطلوب اليوم خطة وطنية شاملة:

تعليم مجاني فعّال.

دعم نفسي داخل المدارس.

ملاعب ومساحات آمنة.

قوانين تردع عمالة الأطفال وتُطبّق بصرامة.

شراكة واضحة بين الدولة والمنظمات الدولية.

هذه مسؤولية وطنية قبل أن تكون إنسانية.

لأن ما نمدّه اليوم هو مستقبل يُبنى عليه تاريخ لبنان.

الطفولة ليست ترفًا… بل حجر أساس

في لبنان، تُسرق الطفولة بصمت، وتُمحى الأحلام من عيون الصغار قبل أن تُولد.

لسنا أمام مأساة فردية، بل أمام انهيار جيلٍ كامل يُنتزع منه حقّه في التعليم، والأمان، واللعب، والحلم.

وإذا بقيت هذه الصور تمرّ على شاشاتنا وصفحاتنا بلا تحرّك فعلي،

نحن لا نوثق الألم… بل نشارك في صناعته.

 فلنَعِ جيدًا: لا يُبنى وطن على أنقاض أحلام أطفاله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »