انتخابات العراق 2025… ساحة تلتقي فيها خيبة أمل الناخبين بالمراهنات الإقليمية

الصحفية: فاتن يوسف
مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية في نوفمبر 2025 بأشهر قليلة، يبدو أن جولة الانتخابات هذه تختلف بشكل لافت عن سابقاتها، حيث من المتوقع أن يدخل العراق هذه الدورة الانتخابية محاطاً بتحولات إقليمية متسارعة، ومتخماً بأعباء داخلية تمثلت في أزمات سياسية واقتصادية وخدمية عميقة مما يجعل هذا الاقتراع اختباراً مزدوجاً: داخلياً لشرعية النظام السياسي، وخارجياً لمكانة العراق على خارطة التحالفات الإقليمية
لقد أعادت التحولات المتسارعة منذ اندلاع الحرب في غزة، إلى جانب التدخلات الدولية العلنية والخفية في الشأن العراقي تشكيل التحالفات الداخلية، وفتحت الباب أمام تحالفات جديدة، وأدت إلى انسحابات مؤثرة، أبرزها انسحاب التيار الصدري، هذا الانسحاب غيّر قواعد المنافسة الانتخابية، وفي ظل هذه الظروف، يقف الناخب العراقي على مفترق طرق: ممزقاً بين إخفاقات الداخل وضغوط الخارج، وبين وعود الأحزاب السياسية وسنوات من خيبات الأمل، محاصراً بين رغبة صادقة في التغيير وخوف عميق من تكرار الوجوه والخطب ذاتها.
تحديات خارجية تلقي بظلالها على المشهد السياسي العراقي
تستمر الضغوط الإقليمية والدولية في التأثير على المشهد السياسي العراقي، حيث ترتبط التوازنات الداخلية ارتباطاً وثيقاً بالتأثيرات الخارجية، خاصة في ظل تصاعد النزاع الإقليمي منذ 7 أكتوبر، مع اندلاع حرب غزة وتوسع المواجهة بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
تحظى الكتل الشيعية بأكبر تمثيل في البرلمان العراقي، حيث تسيطر على نحو 58% من المقاعد، في حين توزعت المقاعد المتبقية بين العرب السنة والأحزاب الكردية والأقليات مثل المسيحيين واليزيديين والصابئة والفاليين، هذا التوازن الهش يجعل المشهد السياسي شديد الحساسية للتغيرات الإقليمية.
مع تصاعد هجمات الفصائل المسلحة العراقية المدعومة بشكل غير مباشر من محور المقاومة ضد المصالح الأميركية وقواعد التحالف، ازدادت الأصوات داخل البرلمان مطالبة بتسريع انسحاب القوات الأجنبية، تبنت بعض الكتل الشيعية هذا الموقف، معتبرة المشاركة في “وحدة الجبهات” واجباً أخلاقياً وسياسياً تجاه محور المقاومة، لا سيما بعد التصعيد العسكري الذي شهدته مواجهات حزب الله مع إسرائيل، ودخول الحوثيين على خط النزاع عبر البحر الأحمر.
لكن هذا الموقف لم يحظَ بإجماع داخل المعسكر الشيعي، فقد تبنى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني المنتمي إلى إطار التنسيق الشيعي، سياسة الحياد إزاء النزاع الإقليمي، محذراً من جر العراق إلى معركة ليست ذات أولوية وطنية، خاصة في ظل التزاماته السابقة مع واشنطن، وقد أثار هذا الموقف خلافات داخلية حادة وصلت أحياناً إلى تهديدات بسحب الثقة والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
على الجانب الآخر، أعربت القوى السنية عن قلق متزايد من احتمال تورط العراق في الصراع الإقليمي، خصوصاً في محافظات مثل الأنبار ونينوى التي ما تزال تعيش آثار حرب داعش، وتقع الأنبار جغرافياً على الحدود السورية، وهي على خطوط إمداد حيوية بين إيران ولبنان، مما يجعلها عرضة لمخاطر أمنية وتسربات عسكرية، وما زاد من مخاوف السنة في العراق هي التقارير غير المؤكدة التي تحدثت عن خطط لإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين من غزة في مناطق صحراوية بالأنبار، ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي، فقد أثارت هذه المقترحات غضباً شعبياً، واعتُبرت محاولة لإزاحة الفلسطينيين من أراضيهم، ما قد يجعل تلك المناطق أهدافاً لهجمات إسرائيلية مستقبلية ويشعل التوترات الطائفية داخل العراق.
هذه التحديات ربما ستؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات في الانتخابات المقبلة، لا سيما مع احتدام المنافسة بين المشاريع الداعية إلى “السيادة والاستقلال” وتلك التي تدعو إلى “الاندماج الإقليمي”، مما يجعل الانتخابات اختباراً حقيقيًا لمستقبل العراق.
إعادة تشكيل التحالفات السياسية في ظل التحولات الإقليمية
تشهد الخارطة السياسية العراقية تحولات دقيقة لكنها جوهرية استعداداً للانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2025. يتكشف هذا التحول في مناخ إقليمي يتسم بتصعيد المواجهة بين محور المقاومة والولايات المتحدة وحلفائها، وبالنظر إلى الدور التاريخي للعراق كمسرح للتأثير الإقليمي، يعيد هذا المناخ الحساس رسم التحالفات السياسية الداخلية.
تواجه القوى الشيعية التي تسيطر حالياً على نحو 180 من أصل 329 مقعداً انقاسامات داخلية، فبعض الفصائل الموالية لإيران تدعو إلى مزيد من الانخراط في الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة داعمةً “وحدة الساحات”، بينما يفضل آخرون الحفاظ على علاقات دولية متوازنة وتجنب الانخراط في حروب غير محسوبة، هذه الانقسامات تعقد مهمة إعادة بناء التحالفات الشيعية، خصوصاً مع تصاعد سخط الجمهور تجاه بعض الفصائل المسلحة بسبب مشاركتها في حكومات ضعيفة الأداء. وتتزايد المطالب بفصل القرار السياسي عن تأثير الميليشيات.
أما الجبهة السنية، فقد تواجه القيادات التقليدية ضغوطاً متزايدة في ظل تحولات المصالح الإقليمية، وتعزز تركيا وجودها في نينوى والأنبار من خلال مشاريع اقتصادية وبنية تحتية، في حين تقوي السعودية تواصلها السياسي مع القوى السنية المعتدلة المعارضة للتطرف والتي تدعو إلى رؤية وطنية موحدة، ويسعى سياسيون جدد من جيل ما بعد داعش لتشكيل تحالفات جديدة تنأى بنفسها عن الهياكل القديمة والاعتماد الخارجي.
وفي كردستان، تواصل العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني تذبذبها بين التنافس والتعاون، ومن المرجح أن تؤثر الخلافات المستمرة بين بغداد وأربيل حول صادرات النفط وتخصيص الميزانيات على التحالفات الكردية المستقبلية، وقد تسعى الأحزاب الكردية إلى تحالفات أوسع مع الكتل السنية والشيعية للضغط على بغداد من أجل ضمانات مالية وسياسية، خاصة بعد الأحكام القضائية التي أضعفت موقف أربيل في تصدير النفط، هذا المشهد يؤكد أن التحالفات السياسية في العراق ليست مرهونة بالاعتبارات الداخلية بل باتت تعكس بشكل متزايد الانقسامات الإقليمية.
الرأي العام العراقي بين خيبة الأمل والتأثيرات الإقليمية
وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية التي يغوص فيها العراق بعمق، يبدو أن الرأي العام العراقي يبتعد بشكل واضح عن الخطاب السياسي للنخبة، ففي حين تناقش الطبقة السياسية توجه العراق الإقليمي، يكافح المواطن العادي مع مشكلات مزمنة تتعلق بالخدمات والبطالة والفساد، وقد تسببت هذه الأزمات المتراكمة باتساع الفجوة بين الجمهور وقرار الاقتراع، مما أدى إلى تراخي الحماس نحو التغيير وعدم الاكتراث بالمستقبل، خصوصاً بين الشباب.
فقطاع الخدمات لا سيما الكهرباء يبقى جرحاً مفتوحاً في حياة العراقيين اليومية، وبعد أكثر من عقدين من سقوط النظام السابق وإنفاق مليارات الدولارات، ما تزال الانقطاعات الكهربائية مستمرة، ويعتمد كثير من المواطنين على المولدات الخاصة كحل مؤقت، حيث تشير تقارير دولية إلى أن العراق يفقد أكثر من نصف كهربائه بسبب التسرب وسوء التوزيع، بينما لا يتم تحصيل نحو 75% من رسوم الكهرباء، مما يضعف التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية، ومع تجاوز درجات الحرارة في بعض المناطق 50 درجة مئوية، تظل أزمة الكهرباء مصدر غضب شعبي دائم.
أما اقتصادياً، فرغم تصدير أكثر من 3.4 مليون برميل نفط يومياً وامتلاك العراق ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، لا تزال مستويات المعيشة متدنية، وبلغ معدل البطالة حوالي 15.5% في 2024، مع توقعات بزيادة بسبب غياب استراتيجيات تنمية مستدامة.
هذه الأزمات أدت إلى تراجع حاد في المشاركة الانتخابية، ففي انتخابات 2021 لم تتجاوز نسبة المشاركة 41% من الناخبين المسجلين، وتشير التوقعات لعام 2025 مزيداً من الانخفاض قد يصل إلى 35-40%، خاصة في المدن الكبرى، ما يعكس هذا التراجع الاعتقاد السائد بعدم جدوى الانتخابات في إحداث تغيير حقيقي، وبقاء السلطة في أيدي دوائر ضيقة من النخبة.



