مراقبون بلا رقيب: حين تتحول المدن اللبنانية إلى ساحات تجسس على سكانها

بقلم: سارة هنداوي
من خلف عدسة لا نراها… لكنها ترانا
لم أعد أمشي مطمئنة في شوارع مدينتي.
أراقب خطواتي، نظراتي، وحتى صمتي… وكأنني لست وحدي.
في لبنان، البلد الذي تتساقط مؤسساته واحدة تلو الأخرى، تتكاثر الكاميرات كما تتكاثر الفوضى. موجودة في كل زاوية، وكل حي، وكل شارع. لكن الغريب أننا لا نعرف من يشغّلها، ولا من يُشاهد ما ترصده.
لا لافتات تحذر. لا قانون يُعلِم. لا جهة تُسأل.
هكذا نُترك، نحن، في ظلام لا نعرف فيه من يرانا، ولا لماذا.
الخصوصية المفقودة… بين النصوص الغائبة والتطبيق المعدوم
صحيح أن لبنان أقرّ قانون المعاملات الإلكترونية رقم 81/2018، وفيه مواد واضحة عن حماية البيانات الشخصية، لكن ماذا لو أخبرتك أن هذا القانون ما زال “نظريًا”؟
حتى اليوم، لم تُنشأ الهيئة الوطنية المفترض أن تراقب وتضبط آلية استخدام هذه الكاميرات. أي أن القانون بلا أسنان، والمواطن بلا درع.
تقرير صادر عن “المفكرة القانونية” عام 2023 أشار إلى أن أكثر من 70% من كاميرات المراقبة تُركّب وتُشغَّل من جهات متعددة، دون مرجعية أو ضوابط واضحة.
أما الخبير القانوني مازن غريب، فأكّد في حديث لصحيفة “النهار” (2024) أن:”غياب الهيئة الناظمة يعرّض المواطنين لخطر استغلال بياناتهم، ويجعل عمليات المراقبة عشوائية وغير محكومة.”
صيدا، بيروت، طرابلس… كاميرات بلا هوية
في صيدا وحدها، تم تركيب أكثر من 250 كاميرا مراقبة خلال السنوات الأخيرة، بتمويل من بلديات وجهات دولية، والهدف المعلن: تعزيز الأمن.
لكن حين سألنا عن الجهة التي تدير هذه الكاميرات، لم نحصل على إجابات واضحة. لا من البلدية، ولا من المسؤولين عن المشروع.
رئيس بلدية صيدا، في مقابلة خاصة (مارس 2025)، قال إن الهدف هو “حماية الممتلكات العامة”، لكنه لم يُحدّد الجهة المخوّلة بمشاهدة التسجيلات أو مدة الاحتفاظ بها.
في بيروت، الأمر لا يختلف كثيرًا.
لمياء، صاحبة محل ألبسة في الحمرا، قالت في مقابلة مع موقع “المدن” (أبريل 2025):”كل ما أمرّ من أمام كاميرا، أشعر أني مراقَبة… حتى وأنا بشتغل أو بضحك، بحس حالي تحت عدسة شخص ما ما بعرفه.”
شهادات حيّة… وخوف صامت
رانيا، طالبة جامعية من بيروت،:”بحس إنو كل شي بعمله مسجَّل… بصراحة، صرنا نخاف نتمشى، نحكي، نشارك بأي شي. مين ضامن ما تُستخدم صورنا بطريقة غلط؟”
أحد الناشطين الحقوقيين، فضّل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، شدّد أن بعض هذه الكاميرات:
“تُستخدم أحيانًا لرصد المتظاهرين وتحليل وجوههم. وهذا الشي بيمسّ حرية التعبير بعمق.”
تقرير صادر عن منظمة Human Rights Watch عام 2022 وثّق استخدام بعض الجهات الأمنية لكاميرات المراقبة خلال احتجاجات 17 تشرين، بهدف مراقبة المتظاهرين وتمييز هويتهم. والنتيجة؟
حرية التظاهر باتت على المحك.
من الأمان… إلى القمع؟
في تقرير لـ مركز سمير قصير للدراسات الإعلامية (2023)، أكّد مديره جمال ناصر أن:
“المراقبة بلا رقابة تحوّل الشارع العام إلى سجن مفتوح. المواطن بيصير مهدّد، مش محمي.”
في آخر تقرير لوزارة الاتصالات (نهاية 2024)، تبيّن وجود أكثر من 5,000 كاميرا مراقبة في بيروت والمناطق الكبرى — منها ما هو حكومي، ومنها ما هو خاص، ومنها ما لا تُعرف هويته حتى اليوم.
هذه الأرقام تعني أن نسبة الكاميرات زادت 40% عن عام 2020. لكن هل زادت معها الشفافية؟ الجواب الواضح: لا.
دراسة حديثة من الجامعة اللبنانية بالتعاون مع مركز أبحاث محلّي (مارس 2025) أظهرت أن:
65% من اللبنانيين يشعرون بعدم الأمان بسبب المراقبة.
45% عبّروا عن خوفهم من إساءة استخدام بياناتهم أو صورهم.
الكارثة مش بالكاميرات… الكارثة بالفراغ
نحن لا نعارض وجود الكاميرات.
نعم، الأمان مهم، والسرقات في ازدياد، والجرائم الإلكترونية تتطور.
لكن حين تُستخدم الكاميرات بلا قانون، بلا شفافية، وبلا جهة مستقلة تُحاسب، تصبح الخصوصية سلعة، وتصبح الكرامة شيئًا قابلًا للمقايضة.
بدون تفعيل قانون 81/2018، وبدون إنشاء هيئة ناظمة مستقلة فعلًا، سنبقى عرضة لانتهاكات غير مرئية، ومن دون مسار واضح للمحاسبة.
تجارب من الخارج… تستحق أن نتعلّم منها
في فرنسا، يُلزم القانون أي جهة تركّب كاميرا بوضع لافتة توضح الهدف منها، والجهة المسؤولة، وكيف يمكن للمواطن أن يعترض أو يطلب حذف بياناته.
في تونس، تأسّست هيئة INPDP، المسؤولة عن حماية المعطيات الشخصية، وتملك الحق بوقف أي نظام مراقبة لا يحترم الخصوصية.
لماذا لا نملك مثل هذه الآليات في لبنان؟ لماذا نظل نعيش في ظل عين تراقبنا ولا تراقَب؟
نحو مساحة تُحترم فيها حريتنا
على الدولة أن تبادر، لا أن تكتفي بالمراقبة.
نحتاج إلى تشريعات تُطبَّق، إلى مواطنين يعرفون حقوقهم الرقمية، وإلى مجتمع مدني لا يتعب من المطالبة.
أما نحن، كإعلاميين، فعلينا أن نستمر بطرح السؤال نفسه:
من يراقب المراقِبين؟ ومن يحاسب من يسجّلنا دون إذن أو علم؟
هذا ليس وطنًا إذا خُيّرت بين الأمان والحرية
حين تتحوّل عيون المراقبة إلى أدوات بلا رقابة…
حين يُمنَع المواطن من أن يعرف من يراه ولماذا…
حين تُصبح صورنا متاحة بلا إذن وبلا قانون…
نكون قد خرجنا من دائرة الأمان، ودخلنا في دوّامة القمع الصامت.
وإذا لم تتحرّك الدولة اليوم، فسنُسجَّل غدًا في كل زوايا حياتنا… إلاّ في كرامتنا.



