ثقافة و فن

لبنان في غرفة مغلقة: أسئلة مصيرية تحتاج أجوبة

 

 

بقلم سارة هنداوي

 

لقاء في الظل… وصمت يكشف هشاشة الدولة

“لبنان اليوم لا يُدار على مكشوف. القرار يُتخذ خلف الأبواب الموصدة، بعيدًا عن الشعب، بعيدًا عن الإعلام”، هكذا يصف الخبير الأمني اللبناني، اللواء المتقاعد جورج حداد، واقع اتخاذ القرار في البلاد.

 

 

ملف السلاح: تاريخ من التعقيد والصراعات

منذ اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية، ظل ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، خاصة مع ظهور “المقاومة” في جنوب لبنان، والتي تحولت مع الوقت إلى قوة سياسية وعسكرية فاعلة.

 

تقرير وزارة الدفاع 2023 يقدر وجود أكثر من 120 ألف قطعة سلاح غير مسجلة، موزعة بين فصائل متعددة، ما يعكس تحديًا هائلًا أمام محاولات حصر السلاح.

 

خبير في الشؤون الأمنية، الدكتور أحمد عثمان، أوضح لـ”الشرق الأوسط” أن “التوازنات السياسية والضغط الإقليمي والدولي تجعل ملف السلاح متشابكًا مع قضايا أكبر من مجرد أمن داخلي”.

 

الأبعاد الجيوسياسية والإقليمية

الحرب في غزة والتوتر المتصاعد مع إسرائيل يلقيان بظلال ثقيلة على لبنان. الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وإيران، ودول الخليج، تتداخل مصالحها عبر وكلاء محليين، مما يعقد المشهد.

محلل سياسي لبناني، نبيل بومعي، قال لـ”العربي الجديد”: “لبنان أصبح ساحة صراع نفوذ، والقرار الأمني لم يعد محصورًا بالداخل، بل هو امتداد للتوترات الإقليمية”.

 

تجربة دولية: دروس من حصر السلاح بيد الدولة

دول مثل جنوب أفريقيا وكولومبيا نجحت في حصر السلاح بيد الدولة بعد فترات نزاع طويلة، عبر استراتيجيات شاملة جمعت بين الحوار الوطني، نزع السلاح تدريجيًا، وإعادة الإدماج السياسي.

هذه النماذج تقدم دروسًا ثمينة للبنان، لكنها تتطلب إرادة سياسية وطنية صادقة.

 

الفلسطينيون في لبنان: واقع هش وتوتر دائم

وفق تقرير الأونروا 2024، يعيش نحو 450 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، في 12 مخيمًا، معظمها في مناطق جنوبية متوترة.

مصدر فلسطيني في بيروت أشار في حديث لـ”الحرة” إلى هشاشة الوضع، قائلاً: “أي محاولة لفرض تغييرات على السلاح الفلسطيني يجب أن تراعي حساسية الوضع لتجنب انفجار أمني”.

 

السيناريوهات المحتملة وتأثير القرار على المواطن

اليوم، لبنان واقف عند مفترق طرق مصيري في ملف السلاح والسيادة الوطنية.

 

أولاً: نجاح حصر السلاح بيد الدولة

إذا نجح الحوار وتوّصل المجتمعون إلى اتفاق واضح يضع السلاح تحت سيطرة الدولة، فستكون هذه خطوة تاريخية تعيد التوازن إلى المشهد اللبناني، وتفتح أبواب الدعم الدولي الواسع الذي قد يشمل مساعدات اقتصادية وسياسية، ويخفف من الضغط الإقليمي. لبنان سيبدأ بمرحلة جديدة من الاستقرار الأمني، مما سينعكس إيجاباً على الحياة اليومية للمواطنين، فرص العمل، وحركة الاستثمار. الأهم أن ثقة المواطن بالدولة ستبدأ في التعافي.

 

ثانياً: فشل الحوار أو حلول مؤقتة

في حال لم يُحرز تقدم واضح، أو اتُفق على حلول مؤقتة لا تعالج جوهر المشكلة، فسيستمر لبنان في دائرة من الانقسامات السياسية والتهديدات الأمنية. الاستقطاب الداخلي سيزداد، خاصة في مناطق الجنوب والمخيمات الفلسطينية التي تُعتبر الأكثر هشاشة. هذا الوضع سيعمق أزمة الشرعية وسيقلّص من قدرة الدولة على فرض سيطرتها، ما قد يؤدي إلى اندلاع اشتباكات محلية تزيد من هشاشة الوضع.

 

ثالثاً: استمرار الوضع الراهن

حيث يبقى السلاح خارج سلطة الدولة، ويستمر تدخل القوى الإقليمية عبر وكلائها المحليين، مما يُبقي لبنان في حالة توتر دائم مع مخاطر تصعيد عسكري وأمني. هذا السيناريو يزيد من معاناة الشعب اللبناني، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويُفاقم الهجرة التي تستنزف البلد من شبابه الطموح.

 

أسئلة مصيرية… والوقت لا ينتظر

في ظل هذه السيناريوهات المعقدة، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان استعادة قراره الأمني والسياسي بشكل فعلي؟

هل سيعطي المجلس الأعلى للدفاع  الشرعية اللازمة لاتخاذ قرارات حاسمة بمشاركة الحكومة والبرلمان؟

وكيف ستنعكس هذه القرارات على استقرار لبنان وأمنه في المستقبل القريب؟

هذه الأسئلة تتطلب إجابات سريعة وقرارات شجاعة، لأن الوقت لم يعد في صالح لبنان ولا أبنائه.

 

الدعوة للتحرك: لبنان يستحق القرار الصائب

في هذا الوقت الحرج، حيث تتشابك الملفات وتتصاعد الضغوط، لم يعد مجال للمماطلة. على الجميع، من سياسيين وإعلاميين ومجتمع مدني، أن يتحركوا بجدية لإعادة بناء الدولة على أسس الشفافية والعدالة، يحترم فيها المواطن ويضمن مستقبله.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »