ثقافة و فن

    بين العامّ والخاصّ: فجوة من الضمانات وعدالة غائبة (ستريدا بشير منذر)

 

في بلد يقوم على المبادرات الفردية في ظلّ غياب الاستثمارات الكبرى، يبقى المبادرون مغيّبين في السياسات والاعتبارات الرسميّة. تعتبر المهن الحرة ركنًا أساسيًّا في الاقتصاد اللبناني والمصدر الأساسي لفرص العمل خارج القطاع العام، خاصّة لاصحاب المهارات اليدويّة ولغير الحائزين على شهادات جامعيّة، كما تساهم في تحريك السوق المحليّة، تلبية الحاجات الاساسية وتوفير المنتجات التي لا يمكن الاستغناء عنها، لكنّ أصحاب هذه المهن يواجهون صعوبات جمّة، تتفاقم يومًا بعد يوم مع الأزمة الاقتصادية والمعيشية.

يبرز في مقدّمة هذه الصعوبات، غياب الضمانات الصحيّة والاجتماعيّة، حرمان العاملين من المعاش التقاعدي والرواتب الثابتة، ارتفاع أسعار المواد الأولية وأدوات العمل وكلفة التنقل وأسعار المحروقات، غلاء المعيشة وأسعار الحاجات الاساسية، انعدام أي نوع من التعويضات أو الضمانات في حال تعرّض العامل لوعكة صحّيّة أو حادث واضطرّ إلى التوقّف عن عمله، الدخل غير الثابت المرتبط مباشرة بظروف وتقلّبات السوق وبحجم الطلب، المنافسة مع العمّال الأجانب الذين يدخلون السوق بأسعار منخفضة ما يزيد الضغط على العمّال المحليّين، غياب أو ضعف التمثيل النقابي الذي يجعلهم غير قادرين على المطالبة بحقوقهم أو التفاوض على شروط عمل عادلة ويضاعف شعورهم بالعزلة أمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية، غياب الحماية القانونيّة وانعدام الدعم الحكومي. كلّ هذه العناصر تجعل الاستقرار المعيشي لدى العاملين في المهن الحرّة خاصّة الحرفيّة منها هشّاً إلى حدّ الانعدام.

في المقابل، يحظى العاملون في القطاع العامّ ومؤسسات الدولة بامتيازات متنوّعة تجعل من وظائفهم مصدر استقرار وامان اجتماعي. لا شكّ أنّ الغلاء المعيشي والاحتياجات اليوميّة، تفوق الحدّ الادنى للأجور وبالتالي القدرة الشرائيّة لدى موظّفي سلسلة الرتب والرواتب، لكن في الوقت نفسه، يستفيد هؤلاء من امتيازات اجتماعيّة وصحّيّة وتعليميّة ترفع من مستوى معيشتهم وتعتبر “ترفًا” إذا ما قورنت بالواقع المأساوي الذي يعيشه سائر اللبنانيين؛ مثلًا، على صعيد الطبابة والاستشفاء، توفّر الدولة تغطية صحيّة كاملة أو شبه كاملة لموظّفيها ولعائلاتهم، فيما يضطرّ المواطن العادي إلى بيع ما يملك ليتمكّن من تغطية فاتورة استشفاء واحدة، كما يتقاضى موظّف القطاع العامّ راتبًا ثابتًا واخر تقاعديًّا مدى الحياة، في حين يفتقد العاملون في المهن الحرّة والحرفيّة لضمان يقيهم الفقر والجوع عند الشيخوخة أو عند انقطاع قدرتهم على العمل. إنّ هذه الامتيازات والضمانات تشكّل حصانة لموظّفي الدولة في ظلّ الازمات اليوميّة، بينما يكتفي سائر المواطنين بالصلوات والدعاء.

يشكّل الحرفيون وأصحاب المهن الحرّة، شريحة واسعة وحيوية من المجتمع اللبناني، وترك هذه الفئة لمواجهة أزماتها منفردة، يعني تعميق الفجوة بين القطاعين العامّ والخاصّ وزيادة معدّلات الفقر والبطالة ما لم يتمكّن العامل من تأمين أساسيات عمله. وفي ظل تراجع مستوى التقديمات الاجتماعية والتعليمية الرسمية، والتقديمات الصحية حتّى عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إذا توفّر هذا الخيار، يُطلب من هؤلاء الموظفين دفع أقساط المدارس والجامعات، كلفة الطبابة، الضرائب على الكهرباء والمياه الرسمية والخاصة، وفي بعض الحالات إيجار المنزل، هذا قبل تأمين الأكل والشرب، ودون إحتساب وجود قروض خاصة من مؤسسات التسليف أي قبل توفير ابسط أساسيات العيش.

من هنا، تبرز اليوم حاجة ملحّة لأن تتحمّل الدولة اللبنانيّة مسؤولياتها تجاه جميع مواطنيها على حدّ سواء، وذلك عبر وضع خطط تشريعيّة وتنفيذيّة واضحة تضمن الحدّ الأدنى من مقوّمات “الحياة الكريمة” التي لا يجب أن تُصنّف كامتياز محصور بفئة معيّنة، بل كحقوق أساسيّة وطبيعيّة لكل مواطن لبنانيّ، وتشمل هذه الحقوق الطبابة والاستشفاء والتعليم وضمان الشيخوخة. القول إنّّ دور الدولة هو “تحقيق العدالة الاجتماعيّة”، سيبقى مجرّد شعار، ولن يصبح فاعلًا إلّا عبر سياسات إنصاف وتكافؤ ووضع خطط قابلة للتنفيذ تنقل اللبنانيين من خانة الدعاء، إلى واقع الكرامة والامان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »