لبنان في العتمة: حين تصبح الكهرباء حلمًا بعيد المنال

بقلم: سارة هنداوي
العتمة التي صارت جزءًا من حياتنا
يستيقظ اللبناني يوميًا على صوت المولد بدلًا من خرير المياه أو تغريد العصافير. أصبح جدول حياته مرتبطًا بمواعيد التقنين: ساعة كهرباء هنا، ساعتان هناك، والباقي ظلام دامس. العائلات تعيش على وقع انتظار لمبةٍ صغيرة تضيء البيت، والطلاب يدرسون على ضوء الهواتف، فيما المرضى يواجهون مصيرهم إذا انقطع التيار عن أجهزة التنفس في المستشفيات.
أرقامٌ تكشف الحقيقة
بحسب تقارير محلية حديثة لعام 2025، يحصل المواطن في بعض المناطق على كهرباء من الدولة لا تتجاوز 1 إلى 3 ساعات يوميًا، ويعتمد باقي الوقت على المولدات الخاصة. تشير المصادر الرسمية إلى أن انقطاع الكهرباء قد يصل أحيانًا إلى 23 ساعة يوميًا في بعض المناطق، بينما يعيش معظم الأسر انقطاعًا يقارب 15 ساعة يوميًا مع تفاوت بين المناطق.
أزمة مركّبة وليست تقنية فقط
المشكلة ليست نقصًا في الطاقة وحده، بل سوء إدارة، فساد مزمن، وتأخر في إصلاح البنى التحتية. سنوات من الهدر وسوء التخطيط جعلت لبنان يعتمد على البواخر والمولدات الخاصة، بدلًا من بناء معامل إنتاج حقيقية. هذه المعادلة وضعت الكهرباء في يد أصحاب المولدات الذين يفرضون أسعارًا مرتفعة، ما يزيد الفقر والحرمان.
مشاريع وحلول مطروحة
في محاولة لوقف الانهيار، وافق البنك الدولي في أبريل 2025 على قرض بقيمة 250 مليون دولار لدعم إصلاح قطاع الكهرباء، بما يشمل إدخال مصادر متجددة وتحسين شبكات النقل والتوزيع. لكن الخبراء يحذرون أن القرض وحده لا يكفي، بل يجب أن ترافقه إرادة سياسية حقيقية وخطط شفافة لضمان وصول النور إلى كل بيت.
البعد الإنساني للأزمة
أم رامي، من سكان الضاحية الجنوبية، تقول: “أدفع نصف راتبي فاتورة للمولد، والنصف الآخر يذهب لشراء الشمع والبطاريات. لم نعد نعرف معنى الليل أو النهار.” بينما يضيف يوسف، طالب جامعي من طرابلس: “أحضر محاضراتي على الهاتف وأشحنه عند الجيران. الامتحانات باتت كابوسًا كل يوم بدون كهرباء.”
المستشفيات أيضًا تعاني: أجهزة التنفس والمعدات الطبية تعتمد على المولدات الخاصة، ومع الانقطاع الطويل يتضاعف خطر وفاة المرضى. الأطفال والطلاب يواجهون صعوبة في الدراسة، والنساء يعانين من انقطاع المياه الساخنة، بينما الطعام يفسد بسرعة بسبب عدم وجود ثلاجات تعمل باستمرار.
الاقتصاد في قلب العتمة
الأزمة الكهربائية لم تؤثر فقط على الحياة اليومية، بل هزّت الاقتصاد اللبناني برمته. المصانع والمحال التجارية تعمل بشكل جزئي أو تتوقف تمامًا، المنتجات الفاسدة والخسائر المتراكمة تزيد من أعباء المواطنين. البنوك والمؤسسات الحكومية لا تخرج عن هذا الواقع، حيث تظل الخدمات الأساسية مشروطة بوجود الكهرباء المستمرة.
الإعلام والشباب: صوت العتمة
الإعلام اللبناني حاول نقل حجم الأزمة، لكن الواقع أكبر من التغطية اليومية. الشباب يعبّرون عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن اليأس والإحباط، محاولين لفت الانتباه إلى المعاناة الحقيقية. بينما يبقى الدور الأكبر على الإعلام الرسمي لنقل الصورة كاملة دون مجاملات سياسية، ولتحريك صناع القرار.
دعوة للعمل والمساءلة
الحل ليس بالمولدات أو القروض فقط، بل بإصلاح بنية تحتية مستدامة، وضع خطط طوارئ، وضمان توزيع الكهرباء بطريقة عادلة لكل اللبنانيين. يجب على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها في توفير الطاقة، مع وضع رقابة صارمة على الهدر والفساد. كما على المجتمع المدني أن يواصل الضغط، والإعلام أن يكون صوت العدالة والشفافية، لضمان ألا يظل اللبنانيون رهائن الظلام.
نور مستعار أم أمل حقيقي؟
لبنان اليوم يعيش على شمعة، بين الظلام والانتظار، لكن في قلب كل أسرة، وفي كل حي، يختبئ الأمل بأن يأتي يوم يُعاد فيه بناء مستقبل مشرق. كل ساعة كهرباء تضيف حياة، وكل خطة إصلاح حقيقية تفتح نافذة أمل. وإذا لم يتحرك الجميع الآن، سيظل الظلام يسطع في بيوتنا، والجيل القادم سيولد في عتمة لن يعرف النور الحقيقي.



