عيون دولية

حل الدولتين: تحوّل تاريخي وشرخ متزايد بين أوروبا والولايات المتحدة

 

أكثر من 150 دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بدولة فلسطين. ومع انضمام بريطانيا وفرنسا إلى هذه الخطوة، يُسجَّل منعطف تاريخي، إذ إنها المرة الأولى التي يتخذ فيها اثنان من أقرب حلفاء إسرائيل مثل هذا القرار، في رسالة مباشرة مفادها أن حل الدولتين لم يُدفن بعد.

التوقيت لم يكن صدفة. فبينما تتحول غزة إلى ركام بعد نحو عامين من الحرب التي أوقعت عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، ومع اتساع رقعة العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة، ترى العواصم الأوروبية أن البديل الوحيد هو فتح مسار دبلوماسي. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شدد في خطابه على أن “الوقت قد حان لوقف الحرب، ووقف القصف في غزة، والمجازر ونزوح الناس”، مقدّمًا قراره على أنه ضرورة أخلاقية وسياسية.

أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فبرر الخطوة بالقول: “في مواجهة أهوال ما يجري في الشرق الأوسط، نتحرك للحفاظ على إمكانية السلام وحل الدولتين.”

يحمل القرار البريطاني رمزية خاصة، إذ إن لندن كانت صاحبة “وعد بلفور” عام 1917، الذي مهّد الطريق لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين متجاهلًا حقوق سكانها الأصليين. واليوم، وبعد أكثر من قرن، تعترف بريطانيا بدولة فلسطين، في خطوة يراها كثير من الفلسطينيين اعترافًا متأخرًا بنضالهم الطويل، حتى لو لم يوقف معاناتهم الراهنة.

كلا الحكومتين نسقتا عن قرب مع السعودية قبل إعلان القرار، في إشارة واضحة إلى أن حل الدولتين ما زال قائمًا على الأقل كإطار سياسي، وأن أوروبا ستسعى إلى إبقائه حيًا.

قوبل القرار برفض إسرائيلي شديد. فقد اعتبرت حكومة بنيامين نتنياهو أن الاعتراف مكافأة لحركة حماس. الولايات المتحدة بدورها أبدت معارضة واضحة. فقد منعت إدارة ترامب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من حضور مؤتمر الأمم المتحدة، وأجبرته على إلقاء كلمته عبر الفيديو. الموقف الأميركي يعكس تباعدًا متزايدًا مع الحلفاء الأوروبيين، وهو أعمق انقسام بشأن الشرق الأوسط منذ عقود.

ما الذي يعنيه الاعتراف؟

الاعتراف بدولة فلسطين لا يوقف الحرب ولا ينهي الاحتلال، لكنه يفتح الباب أمام تحولات سياسية وقانونية مهمة، مثل إنشاء سفارات وتوقيع اتفاقيات دولية والانضمام إلى المؤسسات القضائية الدولية.

اعترفت أكثر من 150 بدولة بفلسطين من أصل 193 عضوًا في الأمم المتحدة. غير أن خبراء يشددون على أن الاعتراف ليس سوى خطوة أولى، ينبغي أن تتبعها إجراءات ملموسة: وقف مبيعات السلاح لإسرائيل، ضمان تدفق المساعدات الإنسانية، ودعم إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية.

أفق السلام المجهول

بالنسبة لفرنسا وبريطانيا، الاعتراف محاولة للحفاظ على باب السلام مفتوحًا، في ظل اقتناع متزايد بأن المسار العسكري لن يحقق الأمن ولا الاستقرار. لكن الطريق لا يزال مسدودًا؛ فحكومة نتنياهو ترفض أي تسوية، والولايات المتحدة توفر لإسرائيل غطاءً دبلوماسيًا واسعًا، فيما يبقى الفلسطينيون تحت الاحتلال والنار.

وبعد قرن من وعد بلفور، تعلن بريطانيا وفرنسا تأييدهما لقيام الدولة الفلسطينية. وبالنسبة للفلسطينيين، يشكل القرار بارقة أمل في لحظة يائسة، لكنه سيظل رمزيًا ما لم تتوقف العمليات العسكرية، ويُجمَّد الاستيطان، وتُستأنف المفاوضات على أرضية سياسية واضحة .غير أن هذا الأمل قد يبقى رمزيًا ما لم تُوقف آلة الحرب، ويُجمّد الاستيطان، وتُستأنف المفاوضات على أرضية سياسية حقيقية.

 

كتابة: أنجي مراد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »