عيون لبنانية

شارع سليم الحص… تكريم لضميرٍ لم يتبدّل

 

 

بقلم سارة هنداوي

 

مدينة تهمس باسم النزاهة

في مدينة محيت فيها أسماء الكبار من ذاكرة الشارع، ظهر اسم سليم الحص فجأة كوميض صامت وسط ضوضاء السياسة اليومية. ليس مجرد شارع يُسمّى باسم رجل، بل لوحة حيّة تعكس ما تبقى من قيم الصدق والأمانة في بيروت، في زمن كثُر فيه الكلام وخفت فيه الأفعال.

 

لحظة الكشف: ضوء على الضمير

بحسب المصادر الصحفية، تم كشف لوحة شارع تحمل اسم الرئيس الراحل سليم الحص، بحضور شخصيات سياسية وعامة، من بينهم الرئيس فؤاد السنيورة، صائب تمام سلام، وزير الإعلام السابق وليد الداعوق، محافظ بيروت مروان عبود، ورئيس بلدية بيروت إبراهيم زيدان، إضافة إلى أفراد من عائلة الحص.

 

الشارع الذي كان يُعرف سابقًا بـ “شارع الجمهورية القديمة” اكتسب هويته الجديدة. المشهد حضره عدد من المواطنين الذين توقفوا لالتقاط الصور وترك آخرون زهورًا على الرصيف كإشارة احترام صامتة.

قال أحد الحاضرين بصوت خافت: “لم أرَ رجلًا يجمع بين الصمت والنبل مثل الحص”، بينما لاحظ صحافي: “وجود اسمه هنا يعيد لنا الأمل بأن في السياسة ما زال للمبادئ مكان.”

 

سليم الحص… رجل المبادئ والالتزام

شغل الحص منصب رئيس حكومة لبنان عدة مرات، وعُرف بعباراته الصريحة مثل: “السلطة تكليف لا تشريف”، وبمواقفه الثابتة التي رفضت الانقسام الأهلي والفساد. لم يكن رجل شعارات، بل رجل أفعال.

كان معروفًا بتواضعه بعدم استخدام الموكب الرسمي والبذخ، وكان يذهب إلى عمله مثل أي مواطن عادي، تاركًا أثره في عقول من عرفوه. خلال أصعب الأزمات السياسية، مثل أحداث الطائف وما تلاها، ظل مثالًا للثبات والنزاهة، ما يجعل تكريم اسمه درسًا حيًا للأجيال الجديدة: النزاهة ليست شعارًا، بل مسار حياة.

 

الرمزية والبعد الثقافي

تكريم اسمه ليس مجرد وفاء بروتوكولي، بل رسالة رمزية عن المدينة نفسها: بيروت التي تفقد يوميًا الكثير من قيمها، قررت أن تزرع قيمة واحدة ثابتة، ضمير رجل كبير، في قلب الشارع لتبقى شاهدة على زمنٍ لم يعد يعترف كثيرًا بالشرف السياسي.

 

المدينة تتذكر نفسها

هو شارع، نعم، لكنه أصبح رمزًا يروي قصة مدينة تحاول أن تتذكّر نفسها، وقصة وطن يعيد الاعتبار لمن حملوا شعلة الاستقامة في أوقاتٍ ضاعت فيها الكثير من القيم. ربط الحدث بالواقع اللبناني المعاصر وأزماته السياسية والاجتماعية يضيف عمقًا رمزيًا: التكريم ليس فقط للماضي، بل للرسالة التي يحملها الحص للأجيال القادمة.

 

كلمة الرئيس سلام: شهادة الوفاء

قال الرئيس نواف سلام في تصريح مقتضب: “هذه لحظة وفاء لرجل كبير أعاد النبل للحياة السياسية في لبنان. لقد كان آمنًا بالمؤسسات، واليوم نعيد إليه شيء من هذا الوفاء عبر هذا الشارع.” كلمات بسيطة لكنها حملت كل المعنى: رجل يصدق ما يقول، وصوت هادئ يعلو فوق الصخب بصمت أكثر من أي صراخ.

 

شارع كرمز للضمير والأمل

ربما لم يكن سليم الحص بحاجة إلى شارع يحمل اسمه، لكن بيروت كانت بحاجة إلى أن تتذكّر مثله. الاسم على اللوحة ليس مجرد شعار، بل ضمير يمر عبره كل عابر، وقيم تذكّر بها المدينة نفسها.

 

في زمن أصبح فيه تكريم الرجال الكبار نادرًا، تثبيت اسمه في الشارع ليس وفاءً له فقط، بل نقطة ضوء على الخرائط المظلمة للسياسة اللبنانية، وشهادة على أن النزاهة يمكن أن تجد مكانها، حتى في زوايا الشوارع.

 

بعض الأسماء لا تُكتب على الحجر، بل على الوجدان.

وسليم الحص واحدٌ من هؤلاء، وشارعه في عائشة بكار ليس مجرد طريق، بل رمز لضميرٍ لم يتبدّل. وكم عدد رجال مثل الحص تركوا بصمة صامتة في بلد أصبح فيه الصخب قاعدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »