المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أطلق نتائج الدورة التاسعة من استطلاع المؤشر العربي 2025 في لبنان

أطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في فندق جيفينور في بيروت، نتائج الدورة التاسعة من استطلاع المؤشر العربي 2025 في لبنان، الذي شمل عينة من 2400 مستجيب من لبنان، وذلك بحضور عدد كبير من الشخصيات السياسية، يتقدمهم الرئيس فؤاد السنيورة، والوزراء السابقون حسن منيمنة، وإبراهيم شمس الدين إضافة إلى أكاديميين وباحثين لبنانيين، وأساتذة جامعيين، ومهتمين بالشأن اللبناني.
بداية تحدث مدير المركز العربي في بيروت الدكتور ناصر ياسين، فأشار إلى أن “نتائج استطلاع المؤشر العربي ليست وجهة نظر، بل هي كنز من البيانات تعكس اتجاهات الرأي العام العربي، وستكون مادة نقاش وتباحث، حيث يزمع المركز إلى تحويل مقره في بيروت إلى فضاء فكري يجمع المتخصصين والخبراء والباحثين لدراسة القضايا التي تهم لبنان والمنطقة من اجل إنتاج المعرفة حولها، والتأثير في السيرورات والتدخلات المرتبطة بإعادة بناء الدولة وتطوير المجتمع والاقتصاد والبيئة”.
المصري
ثم عرض المدير التنفيذي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومنسّق مشروع المؤشر العربي الدكتور محمد المصري، نتائج استطلاع الرأي، معتبرًا أن “المؤشر هو توثيق لمحطة معرفية فارقة في مسيرة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حيث توجت 12 عامًا من العمل التراكمي. فمن الناحية المنهجية، يُصنّف المؤشر كأضخم مسح اجتماعي واستطلاع للرأي في المنطقة العربية، حيث شمل 15 مجتمعًا عربيًا (من موريتانيا غربًا إلى الخليج شرقًا). وقد حقق المركز إنجازًا بحثيًا لافتًا بتنفيذ الاستطلاع في قطاع غزة والضفة الغربية تزامنًا مع ظروف الحرب، إضافة إلى كونه أول مؤسسة بحثية مستقلة تجري استطلاعًا شاملًا في الداخل السوري يتناول قضايا اقتصادية وسياسية وهوياتية”.
ونوّه ب”الجهد الميداني الضخم الذي شمل مشاركة نحو 1000 باحث، واستهدف عينة واسعة من المستجيبين الذين ساهموا بآرائهم في أكثر من 532 متغيرًا، في خطوة لتوثيق “رأي عام عربي” عابر للحدود، تجب دراسته ووضعه بتصرف الباحثين وصناع القرار. ولتعزيز الشفافية والعمق البحثي، أتاح المركز بوابة تفاعلية على موقعه الإلكتروني تمكن المستخدمين من إجراء تقاطعات إحصائية واختبارات دقيقة لكافة البيانات المجمعة”.
في ما يخص لبنان أشار المصري إلى أن “الوضع الاقتصادي تصدَّر قائمة هواجس اللبنانيين، حيث أفاد 42% من المستجيبين أن المشكلات الاقتصادية، المتمثلة في الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار، هي التحدي الأكبر الذي يواجه المواطنين اللبنانيين. وفي توصيف مثير للقلق لمستوى المعيشة، كشفت النتائج أن 50% من الأسر اللبنانية تُصنف كـ أسر كفاف، أي إن دخولها تغطي نفقاتها الأساسية بالكاد دون القدرة على الادخار، بينما تعيش 26% من الأسر في حالة حاجة وعوز، معتمدة على المعونات والقروض لتأمين أبسط مقومات الحياة. وبحسب نتائج استطلاع المؤشر العربي فانه لا يزال الفساد المالي والإداري يمثل العقبة الكبرى أمام بناء الدولة في نظر المواطنين اللبنانيين، حيث أجمع 97% من اللبنانيين على أن الفساد منتشر في البلاد بدرجات متفاوتة”.
وأشار إلى أن “البيانات التاريخية للمؤشر منذ عام 2011 تؤكد أن هذه التصورات لم تتغير جوهريًا، ما يعكس شعورًا شعبيًا بـ تجذر الفساد في مفاصل الدولة”، مؤكدا أن “هذا التصور بالنسبة إلى الفساد انعكس مباشرة على ثقة المواطن بسلطات الدولة الثلاث، حيث سجل مجلس النواب أدنى مستوى ثقة بنسبة 36%. في حين رأى 46% من اللبنانيين أن الدولة لا تطبق القانون بالتساوي على الإطلاق، بينما يعتقد 41% أنها تطبقه بمحاباة وتمييز لمصلحة فئات معينة، ما يكرس غياب مفهوم المواطنة العادلة”.
ولفت المصري إلى أن “نتائج المؤشر العربي 2025 أبرزت إجماعًا وطنيًّا حول المؤسسات الأمنية؛ إذ نال الجيش اللبناني وقوى الأمن العام أعلى مستويات الثقة لدى المواطنين”، مضيفا “أن اللافت في هذه النتائج هو التحول الإيجابي الملحوظ تجاه المؤسسة العسكرية إبان الأزمات، حيث أفاد 56% من اللبنانيين أن نظرتهم تجاه الجيش أصبحت “أكثر إيجابية” مما كانت عليه قبل الحرب الأخيرة، الأمر الذي يعزز دور الجيش كركيزة أساسية للاستقرار في الوجدان الشعبي اللبناني”.
على صعيد النظام السياسي، أظهرت النتائج انقسامًا لافتًا حول طبيعة الحكم؛ فبينما رفض 83% النظام السلطوي، انقسم الرأي العام حول نظام يتولى فيه العسكريون الحكم، بتأييد 51% من المستجيبين في مقابل معارضة 46%. وعلى الرغم من الأزمات التي يمر بها لبنان، أكد المصري أن 79% من اللبنانيين لا يزالون يؤيدون النظام الديمقراطي كخيار أمثل للحكم. ومع ذلك، يرى المواطنون اللبنانيون أن ديمقراطية لبنان هي “في منتصف الطريق”، مانحين إياها تقييمًا قدره 5.8 في سلم قياس من 10 درجات. كما برزت في الاستطلاع ظاهرة “العزوف السياسي”، حيث أفاد 10% من اللبنانيين أنهم ينتمون إلى أحزاب سياسية، بينما عبّر 40% منهم عن عدم رغبتهم في المشاركة الانتخابية، نتيجة عدم قناعتهم أن مثل هذه المشاركة يمكن أن تُحدث تغييرًا حقيقيًّا في ظل الواقع الراهن.
على الرغم من ثقة الأغلبية من اللبنانيين بالجيش اللبناني، اعتبر 10% من اللبنانيين أن الوضع الأمني السيئ هو أحد الأسباب الرئيسية للسير في الاتجاه الخاطئ. فعلى صعيد التهديدات الخارجية، أجمع اللبنانيون بنسبة 97% على أن سياسة إسرائيل تهدد أمن المنطقة واستقرارها، تليها السياسة الأميركية بنسبة 88%. كما اعتبر المستجيبون أن إسرائيل (46%) والولايات المتحدة (33%) هما أكبر مصدرين للتهديد المباشر لأمن الوطن العربي.
أظهرت نتائج المؤشر العربي 2025، بحسب المصري، أنّ “الحرب الأخيرة تركت انعكاسات قاسية على المجتمع اللبناني، حيث اعتبر 59% من اللبنانيين أنّ نتيجتها كانت هزيمة في مقابل 38% رأوا فيها انتصارًا. وأبرز المؤشر مستويات مرتفعة من الضغط النفسي والتوتر والغضب بين اللبنانيين تجاه إسرائيل راوحت ما بين 91% و99%. كما سجّل أعلى نسب نزوح في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، حيث اضطر 76% من سكان المناطق المستهدفة إلى مغادرة منازلهم، فيما أرجع 54% من هؤلاء نزوحهم من منازلهم إلى القصف المباشر لمنازلهم”.
أما على مستوى القضايا العربية، فأفاد المصري أن “اللبنانيين أكدوا تمسّكهم الواضح بالقضية الفلسطينية، معتبرين إسرائيل التهديد الأكبر لأمن المنطقة، وذلك بنسبة 97%، بينما حلّت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بنسبة 88%، في تعبير عن عمق الريبة من السياسات الأميركية في الشرق الأوسط. كما كشف الاستطلاع عن رفض واسع للتطبيع مع إسرائيل، حيث رفض 89% من اللبنانيين الاعتراف بها، مستندين في موقفهم إلى طبيعتها الاستعمارية والعنصرية والتوسعية، لا إلى عوامل دينية أو ثقافية”.
أمّا على صعيد المحيط العربي، فقد أظهرت النتائج أنّ 70% من الرأي العامّ اللبناني يرى أنّ سكان الوطن العربي يمثّلون أمة واحدة، وإن تمايزت الشعوب العربية بعضها من بعض، في مقابل 27% اعتبروا أن العرب شعوب وأمم مختلفة. وكانت هذه النسبة الأخيرة هي الأعلى بين الدول العربية المشمولة بدراسة المؤشر.
أما على صعيد تقييم سياسات الولايات المتحدة في المنطقة العربية بصفة عامة، ونحو فلسطين بصفة خاصة، فإن الرأي العام اللبناني يقيم هذه السياسات سلبيًّا. ورأى المصري أن “أغلبية المواطنين توافق على أن سياسات الولايات المتحدة تهدد استقرار المنطقة، حيث يرى 59% إلى 72% أنها تحاول فرض سياساتها على بقية دول العالم وتسعى للسيطرة على البلدان العربية وتعزز الخلافات بينها، وتفضل حكومات غير ديمقراطية. ورفض 56% من المستجيبين مقولة إن الولايات المتحدة تحمي حقوق الإنسان”، لافتا الى أن “اللبنانيين متوافقون بنسبة 37% على أن تغيّر السياسات الأميركية نحو فلسطين (مثل حماية الفلسطينيين من إسرائيل، ووقف الدعم المالي والعسكري عن إسرائيل) سوف يساهم في تحسين نظرتهم تجاه الولايات المتحدة”.
ختامًا، أكد المصري أن “المؤشر العربي 2025″ في دورته التاسعة يرسم خارطة طريق لأولويات الشارع اللبناني يمكن تلخيصها بالتحديد: إصلاح اقتصادي عاجل، مكافحة جادة للفساد، وتمسك بالمؤسسة العسكرية كضمانة وحيدة وسط زحمة الأزمات السياسية والمعيشية”.



