ادبيات

حارسة الكتب-الحلقة الثالثة-كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم

في محطة القطار المتربعة الى جانب برج السباع بالأسكله ( أي مدينة الميناء)، جلس سامي ينتظر وصول الرحلة رقم 45 التي سيسافر على متن إحدى مقصوراتها الى حلب، محطته الأولى. كان متوتراً جداً. ينظر بين الحين والآخر إلى الساعة المعلقة على حائط مدخل المحطة، في محاولة منه للتأكد من أن الوقت لم يسبقه.
جاء قرار السفر مفاجئاً للجميع. واستغربت والدته من أصراره على إتمام هذه الرحلة، على الرغم من معرفتها الكاملة بأن مشاغل إبنها كثيرةٌ جداً في تلك الآونة. قال لها متحججاً إنه ذاهب إلى اسطنبول بسبب بعض العراقيل التي اعترضت شحنة الورق، ولهذا يتوجب عليه أن يحضر شخصياً لحل المشكلة، وإكمال معاملات الشحن إلى مرفأ بيروت. في الواقع، لم تقتنع “أم سامي” برواية إبنها، لكنها لم تجرؤ على المساءلة، خاصة بعد أن قرأت في ملامح وجهه نزير عاصفةٍ على قيد أن تهب.
وصل القطار وحط رحاله على الرصيف الرابع. بعد نزول الركاب منه، بدأ يتحضر للرحلة الجديدة. في تمام الواحدة ظهراً، نادى الحارس ودعا الركاب إلى الصعود. توجه سامي نحو الرصيف ليصعد إلى القطار، وبدأ يُسّرع خطواته وكأنه في سباق مع الوقت. دخل المقصورة التي حُجزت له، وسارع إلى وضع حقيبته في المكان المخصص لها، وارتمى على المقعد.
كان متعباً جداً، خاصة وأن الموسم هذه السنة في المطبعة مزدحمٌ جداً، وهو يعمل ليلاً ونهاراً كي يؤمن الطلبيات ويسلمها في موعدها دون أي تأخيرٍ.
سينطلق القطار في رحلته قريباً. أخرج الساعة من جيبه. عقاربها تشير الى الواحدة والنصف. غرق سامي في تأملاته وتساءل في سره :” هل أصل في الوقت المحدد؟”.
بدأت صفارة القطار تعلن انطلاق الرحلة. بينما كان سامي يحاول إعادة تفاصيل المهمة المُرسل في تنفيذها، سمع طرقاً على باب مقصورته. بعد لحظات، فُتح باب المقصورة وتقدم منه شاب وسلمه مغلف أسمر كتب عليه بخط جميل “إلى يد السيد سامي لطفي المحترم”.
تردد كثيراً في فتح “الظرف”، وجالت في رأسه عشرات الاحتمالات. بدأت عجلات القطار بالتحرك، ومزقت صفارته آذان سامي الذي عاد من انخطافه إلى أرض الواقع.
في الحقيقة، توقيت هذه الرحلة لم يكن في صالحه. أخرج الدفتر من حقيبته وبدأ بإحصاء الطلبيات التي أنجزها وسلمها، وأعاد جدولة ما تبقى من أعمالٍ لبعد عودته من هذه المهمة.
أنساه مراجعة الطلبيات أمر هذا المغلف الذي لحق به إلى مقصورته. وحين دخل عليه “الغارسون” وقدم له فنجان القهوة، لمح سامي المغلف المركون في المقعد المجاور له. فأمسكه وفتحه وأخرج ما في داخله. تفاجأ سامي بورقة بيضاء رُسم على قسمها الأعلى شعار شركة التصدير التي يتعامل معها ، وجاء فيها النص التالي:
الأخ الكريم سامي لطفي المحترم،
تحية طيبة وبعد،
سوف يستقبلك السيد عبد اللطيف رستم المكلف من قبلنا، عندما تصل إلى محطة القطار في حلب ، وسيرافقك في رحلة استلام شحنة الورق وسيتكفل بإجراء كافة المعاملات الرسمية المتوجبة.
مع فائق الإحترام
عبد الرزاق المولجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »