

الكاتبة كارينا أبو نعيم

لم ألتفت.بقيتُ واقفًا في مكاني، أحدّق في الفراغ أمامي بينما كانت خطوات ذلك الشيء تقترب ببطء.
خطوة…ثم أخرى…
شعرتُ بأنفاس باردة تمرّ قرب أذني.لكنني لم أعد خائفًا كما كنت من قبل.كان هناك شعور آخر يتسلّل إلى داخلي.كأنّ هذا الحضور لم يكن غريبًا عني أصلًا.كأنني عرفته يومًا…
أغمضتُ عيني.وفجأة…لم تعد الغرفة موجودة.
كنتُ أقف في ممرّ طويل جدرانه وأرضيته والأبواب فيه جميها بيضاء.
وفي نهاية الممرّ، كانت امرأة تجلس على الأرض وتبكي.
لم أستطع رؤية وجهها.كلما حاولت الاقتراب منها، بدت أبعد.وكلما أسرعتُ نحوها، ازداد طول الممرّ.
ثم سمعتُ صوت طفل.صوت طفل صغير يبكي.التفتُّ نحو اليمين.كان هناك باب نصف مفتوح.خرج منه ضوء ساطع.وعلى الباب لوحة معدنية صغيرة.حاولت قراءة ما كُتب عليها.
لكن الحروف كانت مشوشة.كأنّ ذاكرتي نفسها ترفض السماح لي برؤيتها.
ظهر رجل من نهاية الممرّ.كان يرتدي معطفًا أبيض.اقترب ببطء.
وعندما أصبح قريبًا بما يكفي، شعرتُ بقلبي يتوقف.
كان والدي.
نظر إليّ مباشرة،وقال بصوت هادئ:
“لا تفتح الباب يا مراد.”
“لماذا يا أبي“
نظر نحوي نظرة حزن لم أفهم معانيها.
ثم قال:
“لأنك عندما تتذكر… لن تعود كما كنت.”
فتحتُ عيني فجأة.عدتُ إلى غرفة والدي.كنتُ ألهث بقوة.والعرق يبلل جبيني رغم برودة المكان.نظرتُ نحو المفكرة.كانت مغلقة.لكن شيئًا جديدًا ظهر فوق غلافها.صورة قديمة.لم تكن موجودة قبل لحظات.التقطتها بيد مرتجفة.
كانت صورة باهتة التقطت منذ سنوات طويلة.فيها أبي وأمي وطفل صغير يقف بينهما. كنتُ أنا هذا الطفل، لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقي المرأة التي كانت تقف خلفنا وتضع يدها على كتف أمي.
عرفتهما فورًا.إنهما نفس العينين اللتين رأيتهما في المرآة.
وفي أسفل الصورة كُتبت كلمات قصيرة:
“إذا عادت هذه الصورة إلى الظهور… فهذا يعني أنها عادت هي أيضًا “
وفي اللحظة نفسها، صدر من الطابق السفلي صوت ارتطام عنيف.كأن شيئًا ثقيلًا سقط على الأرض.وسمعتُ عمّتي تصرخ صرخة لم أسمع مثلها من قبل.فاندفعتُ نحو الباب دون أن أفكر، وأنا لا أعلم أن ما ينتظرني في الأسفل سيكشف أول خيط حقيقي من الماضي الذي دُفن منذ أكثر من عشرين عامًا.
