

الكاتبة كارينا أبو نعيم

في ليلتي الثانية، لم أستطع النوم رغم ذلك الهدوء المريح والأجواء العائلية الدافئة. أصرّت عمّتي منذ وصولي على أن تُعدّ لي غرفة والدي، المقفلة منذ أن رحل عن هذه الحياة. لم تتأخر في تجهيزها. كانت الغرفة، بكل ما فيها من أغراض شخصية تعود لوالدي الراحل، على حالها لم تُمسّ؛ كما تركها في آخر زيارة له قبل أن يُقتل هو وأمي في حادث تحطّم الطائرة التي كانا يستقلانها في رحلتهما الأخيرة إلى إحدى العواصم الأوروبية لحضور المؤتمر الطبي العالمي للأمراض العصبية.
مسحتُ بنظري كل ما في الغرفة من أثاث وأغراض، وأكثر ما جذبني تلك المكتبة الضخمة المترامية في أرجائها. قررتُ في تلك اللحظة أن أستكشف ما تحتويه. لكن قبل أن أبدأ بهذه المغامرة، توجهتُ إلى المطبخ وأعددتُ لنفسي فنجان قهوة، وفي رأسي تتراكض وتتسارع الأفكار.
تذكّرتُ أن في زياراتي السابقة لبيت جدّي لم يكن يُسمح فيها لأحد الاقتراب من هذه الغرفة. حاولتُ أن أفهم تصرّف عمّتي، وشعرتُ بأنها ترسل لي رسالة خفية عن رغبتها ببقائي هنا بينهم.
في تلك الغرفة الفسيحة نافذة كبيرة، استُحدثت في تلك الحقبة، تكشف من ورائها جمال هذه الغابة المهيبة التي تحيط بالبيت كسورٍ طبيعي يعزله عن كل ضجيج .
كان القمر مكتملاً، يسكب ضوءه الفضي فوق الأشجار كأنها بحرٌ متجمّد. الصمت في الجبل مختلف جداً وله وقع خاص، يساعد المرء على التعمق مع أفكاره .
وقفتُ أتأمل هذا المشهد البديع، وفي يدي فنجان القهوة أرتشف منه، بينما الذكريات تدغدغ روحي.
لكن شيئاً ما لفت انتباهي .هناك حركة بين أشجار حديقة البيت .
فتحتُ باب النافذة الكبير ببطء وخرجتُ إلى الشرفة. صفعني الهواء البارد على وجهي بقوة. نظرتُ مجدداً نحو المكان نفسه.
لم أكن متأكداً مما لمحته. هل كان ظلاً بشرياً يتحرك هناك؟ أم مجرد حيوان ليلي يتجول بين أشجار الغابة القريبة؟
لكن هذه المرة رأيتها. كانت تقف بين الأشجار، ثابتة تماماً، كأنها جزء من الظل. لم أستطع رؤية وجهها بوضوح لكنني كنت أعرف أنها هي.
تقدّمتُ خطوة إلى الأمام وهمست:
“كيف عرفتِ مكان وجودي؟“
كانت تنظر نحوي دون أن تتحرك، كأنها تمثال أسود وسط الغابة. ثم رفعت يدها ببطء.
كانت تمسك شيئاً بالكاد استطعتُ أن ألمح اللون الأصفر.
همستُ:
“يا إلهي… إنها قصاصة.”
بعد لحظة، تركتها تسقط على الأرض، ثم استدارت واختفت بين الأشجار.
حينها ركضتُ خارج البيت دون أن أفكر. كان الحصى تحت قدمي يئن مع كل خطوة، والهواء البارد يلسع صدري.
عندما وصلت إلى المكان، كانت القصاصة ما تزال هناك. انحنيتُ والتقطتها.
الرقم: 225
فتحتها بيد مرتجفة.كتبت عليها بخطها الأنثوي الأنيق:
“الهروب إلى الجبل فكرة جميلة يا مراد… لكنكَ نسيت شيئاً واحداً.”
توقفت أنفاسي للحظة.تابعتُ القراءة.
“أنا أحب الصيد في الغابات.”
