ادبيات

في رحلة العمر وأرقامه – كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

جميعنا يخاف من فكرة التقدم في العمر، لا بل يرتعد حين يدرك أن السنوات تركض ركضاً، وأن المسافة الباقية له في هذه الحياة بدأت عدها العكسي.

لستُ في أجواء خوض المبارزة في مسألة الموت ونظرياته الروحانية والدينية. في الواقع، لفت نظري كتاب صدر  خلال العام 2021، ويحمل عنوان “متعة أن تكون في الثلاثين”. بحثتُ عن تفاصيل أكثر حوله، وقرأت بعض الملخصات عنه، سأتشارك معكم بمقتطفٍ مأخوذٍ من  التعريف حول الكتاب ، جاء فيه التالي:“عندما تبلغ الثلاثين، لن تكون قادرًا على المكابرة أكثر، يغدو من المستحيل أن تعمل في وظيفة تكرهها، أو تواعد شخصًا لا تحبه، أو تعامل جسدك بازدراءٍ. بعد الثلاثين، تصير مشاعرك أقوى، وتصبح على تواصل أقوى مع جسدك، وقلبك وروحك.أظن أن أعظم معلومة أتمنى لو أني عرفتها في الثلاثينيات هي أن الأوان لا يفوت أبداً. في العديد من المرات خلال حياتي اخترت عدم القيام بأمر ما ظننت أنه قد يحسن حياتي أو يجعلها ممتعة أكثر، لأني ظننت في ذلك العمر أنه فات الأوان للبدء من جديد.”

ما ينطبق على عمر الثلاثين يسري مفعوله على كل السنين والعقود التي تلي هذه السنوات. صحيح أن عمر الثلاثين محطةٌ أوليةٌ للتغيير في حياة الفرد، لكن لا تقلّ المحطات اللاحقة أهميةً في عملية الاستمرار في الثورة على الذات. وكل فردٍ لم يدخل في تجربة الانتفاضة على نفسه وعدم الرضوخ لما آلت إليه أحواله، ولا يسعى الى العمل على تطوير نفسه، يكون من الأساس قد سلّم أن لا معنى لحياته، واستسلم وترك سنواته تذهب هباءً من دون أن يستفيد منها ويستمتع بها.

ما ينطبق على الثلاثين يُطبق على الاربعين والخمسين والستين والسبعين والثمانين، طالما أن الشخص مقتنعٌ أن له حياة واحدة، أي فرصة واحدة، يجب الاستفادة منها الى أقصى الحدود، وإلا ما نفع أن نخضع لدورة حياةٍ كاملةٍ لو أن لا حكمة مرجوة من رحلة العمر هذه؟

مشكلتنا في البلدان التي خُلقنا فيها أنها تقتل الروح ساعة ولادتها، في الواقع، نحن نلمس كل الفرق حين تسنح لنا الفرص بالهروب والعيش خارج تلك السجون التي تطلق أنظمتها السياسية على نفسها دولاً، بينما هي في الواقع معتقلاتٌ وسجونٌ كبيرةٌ لها مواقع جغرافية ويحدها حدود بين بعضها البعض، وتتحكم بها عقليةٌ واحدةٌ تفرض على السجناء سييء الحظ الموت وهم أحياء.

لعنة تلك البلدان التي ننتمي إليها ونحمل هويتها ونعيش ضمن حدودها الجغرافية أنها قتلت فينا كل رغبةٍ في الحياة. ومن حالفه الحظ واستطاع التخلص من قيودها والعيش في القسم الثاني من الكرة الارضية، يدرك الهوة العميقة التي سيعيشها بينه وبين المجتمعات الأخرى، وربما لن ينجح في عملية الاندماج وبذلك سيتحول الى مشكلةٍ وعبءٍ على تلك المجتمعات التي لن تتأخر من سحقه أو لفظه أو تحويله إلى إنسان منغلقٍ أو عنيفٍ.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »