

الكاتبة كارينا أبو نعيم
“سأبقى لكِ دائماً البيت والأمان”
في خضم الأحداث المتلاحقة بوتيرة سريعة، شعرت “إيلينا”، للمرّة الأولى، بضياع كبير. لم تعتد السفر وحيدة دون رفقة “رافي”. فهذا الصبي الذي حلّ عليهم ضيفاً مع أهله ذات ليلة عاصفة، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأقتحم عزلتها، وأحتلّ قلبها منذ اللحظة الأولى، وحاصر أحلامها، وكبر بينهما حبّ صامت حمله كلّ منهما طيلة سنوات، لم يجعلها تشعر يوماً أنّها وحيدة. لقد كان “رافي” بالنسبة لها الصديق والرفيق والحبيب، ومن ثمّ الزوج والشريك. تحتضن بين أصابعها القلادة الذهبيّة التي أهداها إيّاها “رافي” يوم ارتباطهما. هذه القلادة لا تفارقها، فهي جزء من الوعد الذي قطعه لها هذا العاشق المجنون. قرأت، وهي تتبسم، الجملة التي حفرت على الوجه الآخر للقلادة، قرأتها وكأنّها المرّة الأولى :“سأبقى لكِ دائماً البيت والأمان”.
أحبّت “رافي” وعشقها هو بجنون. سنوات طويلة فصلتهما عن الارتباط. شكّل تفوّق “رافي” العلميّ عائقاً لاكتمال حلمهما بادئ الطريق. أُرسل “رافي” في مهمّات عديدة خلال سنوات دراسته التخصصيّة. وبعد أن تمّ إنتقائه من بين مجموعة رائدة من العلماء الشباب، عُين في مراكز علميّة مختلفة فرضت عليه مهماته الجديدة أن يتغيّب كثيراً عن وطنه وأسرته وحبيبته.
“نرجو الإنتباه…حان وقت المغادرة….نرجو منكم إلتزام أماكنكم المحدّدة وربط أحزمة الأمان…”
رُدد النداء مرّات عديدة قبل أن تبدأ الأنوار داخل المركبة بالانطفاء بشكل تدريجيّ. استفاقت “إيلينا” من أحلام اليقظة وعادت إلى لحظة الحاضر وهذا الحدث التاريخيّ الذي تشهده الأرض والبشريّة. كانت مدركة تماماً أن “رافي” لن يخذلها حين قرّر ضرورة هجر كوكب الأرض والسفر نحو موطن جديد. تساءلت بينها وبين نفسها عن وضع “جيمي” الحالي، صغيرها الذي يتعرّض للمرّة الأولى في حياته إلى أصعب تجربة خاصّة وهو وحيد.
تنتظر سماع العديد من الأجوبة على أسئلتها الكثيرة خلال رحلتها هذه. تعلم جيداً أنّه لولا وجود خطر كبير، لما أقدم زوجها على هذا القرار الخطير. لم يقدّم لها الكثير من المعلومات والتفسيرات. لكنّها تثق به وعلى هذا الأساس سوف تنتظر أن تنجلي الامور، وأن تجتمع بـ”رافي” و”جيمي” في المحطّة الأولى من هذه الرحلة.
جلست في المقعد المخصص لها. أحاطت نفسها بحزام الأمان وتنفّست بهدوء استعداداً للانطلاق بعد قليل.
شعرت “إيلينا” بإرتجاج خفيف كان نتيجة إنفصال المركبة عن المنصة، وبدء تحركها نحو النفق الذي ستنطلق عبره نحو الفضاء. بدأت المركبة في الصعود، ودقّات قلب “إيلينا” تتزايد شيئاً فشيئاً. دقائق عديدة مرّت أحستها دهراً، بينما المركبة تواصل حالة ارتفاعها أكثر فاكثر…..
“أيّها المسافرون الأعزاء…. نتمنّى لكم رحلة آمنة نحو الوطن الجديد…. دقائق قليلة ونصبح خارج مدار الأرض ونبحر في الفضاء…. نتمنّى لكم رحلة موفقة.”
وكان هذا آخر ما سمعته “إيلينا” بعد أن هاجمها نوم مفاجئ قاومته وقاومته لكنها في نهاية الأمر استسلمت إلى سلطانه…..
اكتملت المهمّة !
في تلك النقطة المختبئة بين جليد القطب المتجمّد، كان “رافي” يزرع أرض المختبر ذهاباً وإياباً. ينظر إلى الشاشات والمؤشرات باضطراب كبير. العداد يشير إلى ما تبقّى من عمر هذه الأرض. صرخ بأعلى صوته قائلا”: “أيعقل أن تفشل المهمّة ؟ لا، هذا مستحيل…”
فجأة، توقّف أمام شاشة جهازه بعد إعلان وحدة الذكاء عن وصول رسالة جديدة. ضغط على زر الاستماع. بدأت ملامح وجهه تتغيّر. بعد أن أنهى الإستماع إلى ما تضمّنته الرسالة العاجلة، توجّه نحو مكتبه ورمى بجسده على المقعد متنفّساً الصعداء وقائلا:” الآن…. اكتملت مهمّتي…”.
