الهاربون من بلاد الأرز – 2_كارينا ابو نعيم…


كارينا ابو نعيم
لم تكن المرة الأولى التي أطلب العون من “مارك” و”إيليا”. كان كلا الرجلين من الأصدقاء والزملاء الذين يعتمد عليهم في أوقات الشدائد.
تعرفتُ الى “مارك برنيه” في برلين بمناسبة هدم الحائط الذي كان يفصل برلين الشرقية عن الغربية. وكان ذلك في العام 1989. كان مارك صحفي ومفكر مشهور من إحدى دول أوروبا الشرقية. هاجر من بلاده واستقر في سويسرا بعد أن لاحقته أجهزة الاستخبارات التابعة للنظام الديكتاتوري لسنوات. أعتقل عدة مرات وسجن وعذب بسبب أفكاره الداعية الى التحرر من عبودية الانظمة الشمولية. كنت يومها مجرد مراسلة صحفية في وكالة الإخبار الأجنبية، وحظيت بفرصة كبيرة من قبل مدير قسم التحقيقات الخارجية “إيليا دارج”، فرشحني للقيام بتحقيق شامل ميداني وتاريخي لأكبر حدث أنجز في التاريخ المعاصر. جذبه اندفاعي الكبير في إقحام نفسي في المخاطر وأعجب بصلابتي ومهنيتي الإحترافية خاصة خلال تغطيتي للأحداث الدامية التي كانت دائرة في لبنان. أرسل كتاب توصية إلى صديقه “مارك برنيه” الذي استقبلني في برلين ورافقني خلال إجرائي للتحقيق وعرفني على العديد من كبار رجالات الصحافة والفكر في العاصمة الإلمانية التي كانت تضمد جرحها.
ساعدني إيليا كثيراً في بداية رحلتي الصحفية، وكان السند القوي في أوقات المحن. تعلمتُ منه الكثير خلال توليه قسم التحقيقات. لكنه وبعد انتخاب رئيس للجمهورية سنة 1995، قدم استقالته من الوكالة الإخبارية التي كان مركزها بيروت وقرر الهجرة إلى كندا.
استقر في كندا وعمل في إحدى أكبر المراكز الإعلامية الكندية في مدينة مونتريال. ذاع صيته في مجال التأريخ السياسي واستطاع أن يحقق العديد من أحلامه وأصبح مؤلفاً ومحاضراً في جامعات مونتريال.
عاد الى لبنان بداية العام 2005، وكان شاهداً على الزلزال الكبير الذي حصد أرواح عشرات الشخصيات السياسية والإعلامية. شكل إغتيال الرئيس رفيق الحريري منعطفاً مهماً في تاريخ لبنان الحديث. لم أره يوماً يبكي مثلما رأيته في مأتم صديقه الصحفي النائب جبران تويني. لقد كان استشهاد تويني فاجعة كبيرة وصدمة قاتلة له. لم يكد يستفيق من فاجعة إغتيال زميله سمير قصير حتى تلقى الضربة القاضية حين تلقى نبأ استشهاد جبران تويني.
منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط من العام 2005، والبلد على كف عفريت. أصّر “إيليا” على فكرة السفر مجدداً على الرغم من كل التغييرات التي حصلت من بعد سلسلة الاغتيالات الواسعة التي طالت رجال السياسة والإعلاميين وذهب ضحيتها العديد من الشهداء. لم يقتنع أبداً أن البلد ذاهب نحو التحرير. لهذا حزم أمره وأعد حقائبه وطلب مني أن أرافقه إلى المطار. في صالة المسافرين، وبينما كنت أودعه أمسك إيليا ذراعي فجأة وشدني نحوه بعنف وصرخ في وجهي:” حان الوقت كي تستيقظي من هذا الهبل العاطفي المسيطر على عقلك. إنقذي حياتك واربحي مستقبلك وارحلي عن هذا البلد. لم يعد لنا اي خبز فيه . لبناننا إنتهى الى الأبد.” ثم أبعدني عنه ومشى بخطوات سريعة كالهارب من أشباح تلاحقه.
