

الكاتبة كارينا أبو نعيم
حاولتُ أن أشرح لنفسي ما يحدث و أن أجد تفسيراً علمياً لكل ما واجهته. لكن كل محاولة كانت تصطدم بجدار صلب من الغموض. لم يعد مجرد كسوف الشمس الجزئي في ذلك اليوم الحدث الأهم، بل ما أعقب ذلك من اختفاء و من أحداث لا يمكن تفسيرها.
دخلتُ الغرفة التي نُقل إليها أخي بعد أن تم إنعاشه في غرفة الطوارئ. جلستُ بجانبه، أراقب كل تلك الآلات والأنابيب المتصلة به. أمسكتُ يده وكأنني أحتاج أن أؤكد لنفسي أنه حي. كان متخشبًا، وعيناه مفتوحتين وشاحبتين. كان ينظر إلى سقف الغرفة، ونظراته متجمدة، كأنها تبحث عن شيء آخر بعيدً عن هذا العالم.
أعدتُ فتح الرسالة التي وُجدت في يد أخي بعد الحادثة. كانت أصابعي ترتعش، لكنني قرأت كلماتها للمرة العاشرة:
“إلحق بنا… لقد خطفنا وأصبحنا ضائعين وتائهين في التاريخ. الإمضاء: زوجتك والأولاد.”
ارتجفتْ كل خلايا جسدي. شعرتُ بصدمة تخترق عقلي، وكأن الوقت نفسه توقّف للحظة، وأصبح كل شيء حولي هائم بلا حراك. أخي راقد في المستشفى، قلبه يستعيد انتظام نبضاته، لكنه غارق في غيبوبة لا نعلم متى يستيقظ منها.
اعتدلتُ في جلستي محاولاً السيطرة على أفكاري وأعصابي. أعدتُ شريط أحداث هذا النهار الغريب. بينما كنتُ غارقاً في التفكير والتحليل، شعرتُ بتيار هواء بارد يتسلل إلى الغرفة. لا شعورياً، نظرتُ نحو النافذة لكنها كانت مغلقة. وبالرغم من أن النافذة والباب مغلقان، لم تتوقف نفحات هذا الهواء بلمس وجهي كأنها تدفعني نحو مصير مجهول. ومع كل نفس، ظهر ضوء غامض على الحائط، يتلألأ ويتراقص ويُكوّن أشكالًا غريبة، كأنها بوابة بين عالمين، بين ما نعرفه وما لا نعرفه.
اقتربتُ بحذر، كل خطوة كانت تتردد صدى في أعماقي، كأن الأرض تحت قدميّ تهتز. عند حافة الضوء ظهر ظل طويل وداكن، لا يمكن تمييز ملامحه. شعرتُ أن نبضي يتسارع، وأن كل خطوة خاطئة قد تبتلعني في الفراغ .
همستُ لنفسي بصوت خافت: “عليّ أن ألحق بهم…”
ثم دفعتُ قدميّ نحو البوابة التي انفتحت فجأة على جدار الغرفة. وما إن ولجت إلى داخلها حتى بدأ كلُّ شيء من حولي يذوب: الجدران، الأثاث، أخي، الآلات، أصوات المرضى والممرضين. أصبح الهواء أثقل، والضوء يلتف حولي كأذرعٍ خفيّة تحاول ابتلاعي. شعرتُ أن العالم الذي أعرفه ينهار، وأنني على حافة مغامرة لم يسبق لها مثيل…
