ادبيات

لي حياة واحدة لأعيشها (2)- كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

يعود منير للتواصل مع حارس أبواب التاريخ، دخل البارحة خلسة إحدى أبواب الزمن، لمح في زاوية بعيدة انعكاس صديقه البائس. أراد أن ينسل الى الداخل ربما يدركه هناك، لكن الحارس كان أسرع منه، أمسكه ورمى به خارجاً.

لن يتراجع عن البحث الذي يُعدّه، لقد أقسم أنه سينتصر لصديقه ولن يخذله كما فعل التاريخ، سيؤكد للجميع أن هذا الإنسان لم يكن مجنوناً، كان شخصاً مريضاً ومكتئباً ويعاني من اضطرابات نفسية، ولسوء حظه لم يكن العلاج لحالته النفسية متوفراً في تلك الفترة من الزمن.

عاد يفتش عن صديقه بين سطور يكتبها، أراد أن يعدّ هذه الدراسة على شكل رواية يُظهر فيها تفاصيل حياة صديقه الرسام. لم يترك يوماً أو مناسبة إلا وجمع كل ما يتناول حياة صديقه وفنّه، كما يحب أن يناديه “فينس” في خلوتهما الخاصة.

كيف لا، وقد عشق الرسم بعد أن وقع في غرام لوحات فينسنت؟

عشق الرسم وأدمن روائح الألوان الزيتية، وملمس قماش اللوحات البيضاء، كاد في مرة أن يضيف من إصبع اللون الزيتي الأحمر على قطعة البيتزا ويأكلها، تجربة ستقوده الى تذوق طعم ما كان يأكله “فينس” عند بداية كل حالة إضطراب نفسي ترافقه مع انطلاق تنفيذه للوحة جديدة.

وحيدٌ، متروكٌ، مهمل عاطفياً ومجرد من إي اهتمام، كيف يمكن لطفل ولد في جو ينبذه منذ اللحظة الأول، أن يكون في صحة عاطفية ونفسية وعقلية جيدة؟ جاء الى الحياة، ووقع بين والدة تعاني من اكتئاب حاد، من المرجّح أن يكون العامل وراثي، تمقته، ترفضه، وبين والد صارم، متدّين، منغلق وجاف المشاعر.

حمل “فينس” أغراضه صبيحة ذلك النهار الدافء، وركض بها لتلبية نداء أوهامه وأشباحه. في نفس كل مبدع نفحة من الجنون، وعند صديقي “فينس” استوطن الجنون وتفجر إبداعاً.

مرّ من أمام “ايلينا” يحمل أدواته الغالية على قلبه، سألته الصبية:” سيد فنسينت الى أين أنت ذاهب؟”. إلتفت إليها وتأملها لبعض الثواني وأجاب:” إنهم ينتظروني في الحقل، أعذريني آنستي عليّ الرحيل بسرعة”.

خرجت الآنسة “إيلينا” من وراء “الكنتوار” في صالة الاستقبال، وتوجهت مسرعةً نحو الحديقة الخلفية، حيث كان الدكتور” بول ” جالساً يستمتع بظلال الأشجار هرباً من قيظ النهار.

في إحدى رسائله إلى أخيه “ثيو” يشير صديقي العزيز “فينس” إلى د.بول غاشيه قائلا:”إنه مريض مثلي، بل ربما يكون أكثر مرضاً !”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »