

الكاتبة كارينا أبو نعيم
دخلنا القاعة الكبرى المتوهّجة بأنوار الصباح كأنّنا في فسحة مكشوفة تنيرها أشعّة الشمس. كنتُ أحاول أن أتنقّل بنظري بشكل سريع لكي تتأقلم عيناي مع هذا النور الساطع، خاصّة وأنّني قد خضعتُ منذ أشهر قليلة إلى عمليّة زرع قرنيتين استعدتُ من بعدها نظري بعد تعرضي إلى حادثٍ فقدتُ من خلاله بصري.
رأيتُ نبيلاً يتوجّه نحو الشاشات الكبيرة المتواجدة في نهاية هذه القاعة ممسكاً بلوحه الذكيّ، والخارطة ما زالت تومض بالسهم مشيراً إلى مكان ما أنا شخصياً أجهله. يتعامل نبيل مع هذا الموقف الغريب كأنّه عالِم بما يحدث مما أثار ريبتي بشكل كبير.
أتفاجأ بنبيل يقول لي :” إنتظرتُ هذه اللحظة بفارغ الصبر.” وضعظ بعد ذلك على شاشة صغيرة جانب الشاشات فأضاءت جميعها بالتوقيت نفسه.
نفذ صبري ، خاصّة بعد ما عشته هذا اليوم من أحداث تفوق الخيال. صرخت بنبيل قائلا”:
” أنتَ مدين لي بكثير من التفسيرات. ماذا يجري بحقّ السماء؟ أين نحن؟”.
أكمل نبيل انشغالاته في الضغط على الشاشات، وبدأت تظهر على كلّ شاشة، وبشكل منفصل عن الأخرى صور لقاعات تشبه التي نحن فيها.
أقلقني الأمر كثيراً و فقدتُ السيطرة على أعصابي. فما كان مني إلاّ أنّني توجّهت نحوه، وأمسكته من خلال سترته، وبدأت أصرخ في وجهه بشكل هستيري وأهزّه بعنف كبير، ومن بعدها بدأتُ أفقد الإحساس بالمكان وفقدت حاسة السمع، وانطفأت أمامي كلّ الصور و شعرتُ أنّني اتهاوى …..
استيقظتُ لأجد نفسي ممدّداً على سرير يشبه أسرّة غرف الطوارىء في المستشفيات. صداع أليم يتآكل رأسي، وتشويش في الرؤية أصاب نظري جعلني غير قادر على الحركة.
سمعتُ وقع أقدام تقترب مني. حاولتُ أن ألتفت لأرى من القادم. فأصابني دوار قويّ من جديد.
لم أدرك كم من الوقت عشتُ فيه غائباَ عن الوعي. لكنّني كنتُ أشعر وأنا في غيبوبتي المؤقتة أنّني مشلول الحركة ويتراءى إلى سمعي وقع أقدام تقترب مني ومن ثمّ تبتعد.
فتحتُ عيني أخيراً وكان نبيل يقف إلى جانبي ترافقه زوجته “رانيا”.
قفزتُ لا شعورياً نحو “رانيا” أردّد سؤالاً واحداً كرّرته عدّة مرّات :” أين زوجتي؟ أين نايا؟”.
وقفت كالصنم قبالتي، وكان الإرهاق ظاهر على وجهها، وعيناها جمر نار من أثر بكاء شديد.
أمسكتني برفق وأجلستني مجدّداً على حافّة السرير قبل أن تطلق بوجهي أسهم كلماتها القاتلة.
تسمرّتُ في مكاني مركّزاً على وجهها ومنتظراً منها ما يطمئن قلبي.
