

الكاتبة كارينا أبو نعيم
لم يبقَ أحد
يئستُ من البحث المتواصل عبر الوحدة المركزيّة. وقد بدأتُ ألحظ أمراً غريباً يحصل على الشاشة أمامي. اختفتْ كلّ الخدمات المتاحة. ماذا يحصل؟ من غير المعقول أن يكون قد أصابها عطل ما، فهي قادرة فوراً وبشكل تلقائي على إصلاح كلّ ما يعترضها من مشاكل. فهذه المركزيّة الذكيّة تُدير أدقّ مفاصل حياتنا منذ سنوات.
انتقلتُ إلى حالة إصدار الأوامر صوتيّاً،وطلبتُ منها أن تحدّد لي ما يحدث معها. انتظرتُ ثوانٍ لكنّني لم أتلقَّ أيّ جواب. كرّرتُ المحاولة مرّة أخرى وكانت النتيجة عينها.
اقتربتُ من الشاشة محاولاً ولوج البرنامج الإحتياطيّ. وما إن لمس إصبعي سطح الشاشة حتّى خرجت منها أصوات كاد أن يغمى عليَّ من قوّتها.
أمام هول المفاجأة، وقفتُ مدهوشاً أحاول أن ألتقط أنفاسي. وما كدتُ أستعيد تركيزي حتّى أخذت الصور والمشاهد تتراكض على الشاشة بشكل هستيري وبسرعة البرق.
“تيلا”….اتصلي بالمهندس نبيل”. صرختُ بكلّ قوّتي.
لم أنتبه قبل ذلك الوقت، أنّ المكان قد فرغ بالكامل من جميع الموظفين ، على الرغم من أنّنا ما زلنا في منتصف النهار.
كلّ محاولات التواصل مع مهندس الوحدة الذكيّة باءت بالفشل. “تيلا” لا تتجاوب مع أيّ نوع من الأوامر. في كلّ محاولة، يصدح صوت “تيلا” منبّهاً أنّ العمليّة قد فشلت. فكان لا بدّ لي بالتحرّك إلى الخارج. في طريقي إلى المرآب، شاهدتُ عدداً من “الروبوتات” المولجة حماية هذه المنشأة تجول في الأروقة، ويدخل بعضها إلى المكاتب، وتقوم بمسح شاشات الألواح الذكيّة وكأنّها تعيد تعديلها أو إفراغها من المعلومات بشكلٍ نهائيّ.
أسرعتُ في خطواتي. وحين وصلتُ إلى المرآب لم أجد سوى سيارتي.
“أين اختفى الجميع؟”…
وبسرعة، أعطيتُ الأوامر لسيّارتي كي تفتح أبوابها وتدير المحرّك لننطلق. أعدتُ الأمر مرّة أخرى:” “كوكي” افتحي الأبواب”….
أومضت “كوكي” باللون الأحمر وخرج صوت منها ينبه :” فشلت العمليّة…. فشلت العمليّة…”
“ماذا يجري بحقّ السماء؟”…. صرختُ غاضباً وكان اليأس بدأ ينال من تركيزي.
تذكّرتُ لوحة التحكّم الصغيرة.لحسن لحظ، أنّها ترافقني دوماً داخل الجيب الداخليّ لسترتي. أخرجتها ودخلتُ من خلالها إلى برنامج التوجيه وأعدتُ ضبط التحكّم بالسيّارة بعد أن عزلتها عن “السرفير” الرئيس لوحدة الذكاء. لم تكن “كوكي” من ضمن وسائل النقل الذكيّة والمتطوّرة التي صنّفتها وحدة الذكاء المركزّية بثورة العصر التكنولوجيّ. لهذا، ما زلتُ أملك القدرة على التحكّم بها من خارج بروتوكولات المنظومة الذكيّة.
قدّمت شركة “تيلا – روبوت” هذه السنة آلاف السيّارات ووسائل النقل الذكيّة ذات القيادة الذاتيّة ، لعدد كبير من المؤسسات المتخصّصة تكنولوجيّاً والعاملة في تصنيع وتطوير الروبوتات والنانو تكنولوجيّ والمختبرات العلميّة والقواعد الفضائيّة والمواقع الطبيّة والعسكريّة. لم تشمل هذه “الهديّة” المنشآت الإعلاميّة ولا المؤسسات العاديّة الأخرى.
خلال مناسبة الإعلان عن تلك الثورة التكنولوجيّة، بداية هذا العام، صرّح الرئيس التنفيذيّ لشركة “تيلا-روبوت” كاسبر إيبور CASPER IBOR :”أنّ التحدّي الأكبر في تصنيع وسائل النقل هذه، والتي شملت السيّارات الذكيّة والطائرة منها ذات القيادة الذاتيّة، كان في توفير هيكل متين وخفيف لوزن.خاصّة وأنّ هياكل تلك السيّارات قد صُنعت عبر طابعات رباعيّة وسداسيّة الأبعاد….”
فور ظهور إشارة المحرّك على لوحة القيادة بعد نجاحي في إعادة التحكّم بالسيّارة، انطلقتُ بها مسرعاً. في الطريق، حاولت مرّات عديدة أن أتواصل مع زوجتي، وباءت كلّ المحاولات بالفشل.
تدور في رأسي الأحداث وتفاصيلها: هل أنا عالق وسط كابوس احتلّ ليلي ولم استيقظ منه بعد؟هل ما يحصل معي الآن هو واقع وحقيقيّ؟.
تعود المشاهد أمامي للروبوتات في المنشأة، وهي تعمل على مسح كلّ ما نملك من معلومات كأنها في عملية تدمير وتلف لكلّ شيء.
المشاهد التي تداخلت فيما بينها على شاشة الوحدة الذكيّة والكم الهائل من الخرائط والمواقع الحمراء عليها تنذر بكوارث.
عجباً…عجباً… أين ذهب الناس؟ الشوارع خالية من السيّارات والأشخاص. المراكز التجاريّة خالية بالكامل….حتى لا يوجد أيّ صوت يشعرني أنّني في مدينة يسكنها بشر أحياء.
لا بدّ أنّني أحلم …. لا بدّ أنّني أحلم ….
