ادبيات

أحزاننا المتنامية_ كارينا أبو نعيم

كارينا ابو نعيم

لمن سأكتب؟ عبارةٌ ما فتئت تُومض في عقلي كلما أمرني بالكتابة. ضاعت بنا الحياة بعد الزلزال المدمر الذي حصل في كل من تركيا وسوريا الإثنين الماضي في 6 شباط من 2023 ونال لبنان النصيب من هزاته العنيفة والترددية التي لم تتوقف حتى اللحظة. نتلقى منذ نهاية العام 2019 العديد من الكوارث الطبيعية والبشرية. ولم يتوقف الألم والنزف منذ2010 في معظم الأقطار العربية التي مرت عليها عواصف الحروب والانقلابات والفوضى العارمة والقتل الوحشي والإرهاب،ومازالت بعض تلك الدول تعيش اليوم هول تلك الحروب كسوريا. ولم يخجل المجرمون في لبنان على الرغم من كل الكوارث المالية والبشرية والاقتصادية التي حلت في ربوع هذا الوطن، وكان من بينها زلزال تفجير المرفأ في 4 آب من العام 2020 ، وأُطلِق عليه مصطلح بيروتشيما تشبيهًا بما جرى لمدينة هيروشيما جراء الانفجار النووي في أغسطس 1945، فلم يتوقف المسؤولون المجرمون عن مص دماء الشعب والمساهمة في القضاء على ما تبقى من مفاصل الدولة اللبنانية.
استيقظنا بهلع وخوف من غضب الطبيعة حيث حصد الزلزال الذي أصاب مناطق تركية وأخرى سورية، آلاف الضحايا والجرحى وملايين المشردين . أما الخسائر المادية فهي بالمليارات. كأن اللعنة حلت على منطقتنا ولن تخرج منها إلا وقد قضت عليها بالكامل.
نحن على أبواب أزمات صحية وغذائية ومعيشية ومالية لم تشهد الكرة الارضية مثيل لها في التاريخ الحديث. هناك ملايين الأشخاص الذين أصبحوا مشردين أو نازحين أو مهجرين. أضف إلى أن المنطقة لم ترتاح بعد من جنون الحروب العبثية والفوضى العارمة التي طالتها منذ العام 2010، وقلبت معايير الأنظمة السياسية فيها، والنزاعات والحروب ما تزال مستمرةً في بعضها حتى الساعة.
نحن نعيش منذ 2019 تحت وطأة الأوبئة. وكان أولها “كورونا”، ولن يكون آخرها. والاحتمالات والمؤشرات الصحية العالمية تتخوف من انتشار أوبئةٍ جديدةٍ أكثر فتكاً في المستقبل القريب.
ما زلنا تحت صدمة الفاجعة، حصد الزلزال عشرات آلاف الارواح والمرجح أن ترتفع أرقامها بشكل كبير، للأسف، في الأيام المقبلة.
بئس هذا العالم الذي يدعي الحضارة والعدل والحرية والمساواة، بئسٌ عليه حين غلّب مصالحه السياسية على المشاعر الإنسانية، ورضخ للأوامر الأمريكية بادئ الأمر، فلم يرسل المساعدات الطبية والإنسانية إلى المناطق السورية المتضررة من الزلزال والتي لم يزل الآلاف من مواطنيها تحت الانقاض وملايين آخرين في العراء بحجة العقوبات المفروضة على سوريا. ليعود، وتحت الضغوطات التي مارستها بعض الدول والهيئات الإنسانية، فيسمح بإرسال المساعدات التي ما زالت حتى الساعة خجولةً وغير كافيةٍ أمام فظاعة الكارثة في سوريا.
نظرية تقسيم العالم إلى عالمين: فقير وغني، ليست بعيدة وهي تتكشف بأحقر أوجهها منذ جائحة كورونا. والمطلوب وضع اليد على ما تبقى من الثروات الطبيعية في المنطقة.
في الماضي، بعد اكتشاف النفط في المنطقة العربية، تشاركت الدول العظمى هذه الثروة عبر طرق مختلفة. اليوم، أصبحت هذه الدول النفطية تتماهى مع سياسة دول القوة العظمى بالكامل ولم تخرج عن طوعها. وكل دولة أرادت أن تدير شؤونها الداخلية وثرواتها الطبيعية جاءها طوفان الحرب والتدمير والخراب والانقسامات والطائفية والإرهاب والخ….الأمثلة كثيرة لكن لا مجال لسردها هنا. يبقى الأهم مصالح الدول العظمى.
أما المارد الروسي وقد استيقظ بعد أن خلع عنه رداء الشيوعية وتخلص من تركة الاتحاد السوفيتي السابق، عاد إلى الساحة الدولية والإقليمية بقوة ليدخل ضمن المعادلة العالمية والاقليمية . وكان الباب الوحيد الذي من خلاله يمكنه الولوج إلى المنطقة وبحرها هي بوابة سوريا. وهو اليوم قد أشعل الحرب مع أوكرانيا ولا أحد يعلم متى تنتهي أو كيف ستكون تداعياتها على الاقتصاد العالمي.
تتوالى علينا الكوارث والمصائب والازمات وروائح الموت تفوح من شوارع عدد كبير من مدننا العربية. ومن لم يمت من جراء وباء كورونا ، سيقضى عليه إما بسبب الأوبئة الجديدة التي ستصيبنا أو من خلال الحروب المتنقلة والأزمات المتفاقمة من أزمة غذاء عالمية ومياه وصحة أو من جراء الفقر المدقع.
أحزاننا المتنامية أكثر من أن نتحملها و جزاؤنا أننا ولدنا في هذه المنطقة وكتب علينا إما العيش بذل وخضوع وإما الهجرة أو الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »