ادبيات

إمبراطورية إحياء الموتى الجزء الأول (وصية جدي) – الحلقة الثانية – كارينا أبو نعيم

كارينا ابو نعيم

طفولة جدي نسيم

قضى جدي طفولته في رحاب مختبر والده العالم الشهير في التشريح الإلكتروني، وفي صناعة الأطراف المحاكية للواقع. سمح تواجده في مركز علمي بهذه الأهمية أن يتتلمذ على أيدي أكبر العلماء المختصين، فأكتسب مهارات فاقت قدرات عمره الفتي.

أصر والده على إدخاله باكراً إلى الحقل العلمي والمهني، وأن يتشارك معه، وهو ابن الخامسة، بجميع أنجازاته العلمية. فجدي نسيم الوريث الوحيد لهذه الإمبراطورية العلمية، بمختبراتها، ومصانعها، وشركاتها وإنجازاتها. توفيت والدة جدي بعد ولادته مباشرة، مما دفع بوالده الى استحداث دور حضانة إلكترونية خاصة به داخل شركته ليبقي نسيم قريباً منه ويشرف هو بنفسه على تربيته.

عاش جدي منذ أن تفتحت عيناه في أجواء علمية، لم يكن يقصد المدن وشوارعها، ومتاحفها، ومحلاتها، إلا نادراً، وفّر له والده التعليم الأساسي داخل مباني شركته الضخمة. وبعد أن بلغ جدي عامه الثاني عشر، تقدم لنيل شهادة الموافقة على مزاولة البحث العلمي من الأكاديمية الإلكترونية الوطنية، فنال شهادته بتفوق باهر، وسعت الادارة المركزية في مدينته السماح لشركة والده بضم عدد من الطلاب المتفوقين في صفوفٍ داخل مختبرات الشركة، ليشاركوا في التجارب التي كان يشرف عليها فريق من كبارالعلماء وعلى رأسهم والد جدي. كان لحضور جدي نسيم بين هؤلاء الطلاب نكهة مختلفة لما يتمتع به من ذكاءٍ حادٍ، وسرعة بديهة غريبة واتقان للاعمال الدقيقة. هذا إلى جانب بروز مقدرات هائلة لديه، ومهارة كبيرة في التوصل إلى تأمين حلول علمية ناجحة لمشاكل تقنية اعترضت كبار العلماء خلال تنفيذ اختراعاتهم.

أصبح جدي في عامه الخامس عشر أول مخترع لرجل آلي يعمل بوظائف حيوية مثل الإنسان، وقد أضاف جدي مقدرات كبيرة على دماغ الآلي تساعده في تقديم الحلول لكل المشاكل التي تعرض عليه وينتجها عبر ذاكرته التفاعلية. ولم تكن نماذج تلك الرجال الآليين بمهمة سهلة، امتلك كل نموذج منها، وظائف حيوية تعمل عبر جهاز من الأنسجة والشرايين والقلب والدماغ صنعت من الأنسجة الحية المستنسخة من الإنسان. فتبوأت تقنية الأعضاء والانسجة المستنسخة مكانة كبيرة في حقل الطب الجراحي، وساعدت هذه التقنية على منح الإنسان فرصة جديدة في عدم فقدانه لأي طرف من أطرافه، أو في معالجة أي عضو داخلي تعرض إلى مرض أو إلى تلف. كان هذا إنجاز جدي نسيم وهو على أبواب عامه السادس عشر. أذهل هذا

الإختراع العلماء خاصة، لجهة الأنسجة الداخلية الحية وقابلية الرجل الآلي على التكيف والإستجابة بشكل طبيعي.

فتح هذا النجاح الأبواب أمام جدي إلى أن يتابع عمله، وبحثه العملي، بشكل أوسع ومعمق. فطلب من والده، إشراكه في بعثات علمية متقدمة جداً، تقيمها مقاطعات بعيدة في مجرات أخرى، وتتمحور حول تحسين ظروف الكواكب وخاصة الأرض، وتطوير سبل العيش، وإطالة عمر الإنسان، عبر تقنية متطورة جدا.

بادئ الأمر، إمتنع والد جدي عن الموافقة. كيف سيترك إبنه الوحيد، يسافر آلاف السنوات الضوئية وهو اعتاد على وجوده الى جانبه أربع وعشرين ساعة في النهار؟

استطاع جدي تشكيل نواة فريق عمل خاص به، وهو في السادسة عشرة من عمره، مؤلفاً من بعض الطلاب الذين قدموا لمتابعة أبحاثهم العلمية، وكان أقربهم الى عقله وقلبه كمال الآتي من شمال الكرة الأرضية المدمر.

ولكي يقنع جدي والده بضرورة الذهاب، قام بإختراع نموذج آلي يُشبهه بالشكل، ومطابق له. ووصل دماغه بذاكرة تفاعلية يمكنها أن تتواصل مع جدي نسيم المسافر، فيبقى هذا النموذج النسخة طبق الأصل عنه إلى جانب والده، ويسافر هو إلى أبحاثه من دون أن يشعر والده بغيابه.

لم تكن العلاقة التي تربط جدي نسيم بوالده مجرد صلة بيولوجية تجمع الإثنين، فوالده لم يتزوج بعد وفاة أمه، وكرس وقته في تربية ابنه، وإكمال بناء الأمبراطورية التكنولوجية التي سيرثها عنه بعد أعوام.

وضع جدي، نصب عينيه الإمكانيات التي تساعد على تطوير، وتوسيع أعمال والده لكي تصبح أعمالاً مزدهرةً ذات أهداف علمية، إنسانية وتجارية، في آن واحد، ولم يكن جدي يدرك ، أن ما ينتظره كان أبعد من كل توقعاته.

بعد عودة جدي من أسفاره، أقام له والده أحتفالاً تكريمياً للإنجازات التي حققها مع فريق عمله. وعينه هو وكمال في الفريق المختص بالتخطيط، وإدارة القسم التجاري في الشرك، إنصرف جدي نسيم إلى صياغة أفكاره المتطورة، والجديدة، ونجح كمال في إدارة تسويق المنتوجات التكنولوجية الجديدة، مما رفع من نسبة نجاح الشركة وأصبح اسمها منتشراً بشكل أوسع في أوساط الشركات التكنولوجية المنافسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »