ادبياتعيون خاصة

خَضرا… رواية قرأتها مرتين، وما زالت تسكنني”  عبير المصري بخاش

 

 

 

خَضرا… رواية قرأتها مرتين، وما زالت تسكنني

 

قراءة حول رواية ” خضرا” للكاتبة اليمنية (حورية الإرياني)

بقلم  عبير المصري بخاش

 

تساءلتُ: ما الذي جعلني أُعيدُ قراءة هذه الرواية مرّتين متتاليتين؟

أهي عذابات المرأة في مجتمع شرقيّ ذكوري؟

أم الفكر الأنثوي الذي يُسلِّم أحيانًا بالصورة التي رُسمت له؟

أم تحدّي المرأة للعقبات دون كَلَل؟

أم لعلّها عذابات غياب “الأم” أساسًا؟

رواية خَضرا، للكاتبة اليمنية “حورية الإرياني”، ليست فقط قصة فتاة.

إنها مسار حياةٍ كامل، ممزوج بالأسى والحزن، بالخوف والقهر، كما بالتحدّي والنجاح والتجاوز.

هي حكاية إمرأة رماها القدر في غُربة دائمة، تُصارع فيها تقاليد مجتمع شرقيّ قاسٍ، بينما أصل معاناتها أنّها ببساطة بلا أمّ.

وكما نقول: “بعد الأمّ … احفر وطمّ.”

فما بالنا إن بدأت الوحدة في عمر الخامسة؟ أو حتّى قبل ذلك؟

خضرا كانت “فتاة الإحسان” في بهو الجامع، خادمة في بيت العمّ ناجي، وتلميذة لقسوة العمّة ولكُلّ مَن مرَّ في دربها تقريبًا.

ومع ذلك، لم تُسَلِّم.

في الرواية نقطة تحوّل أساسية.

ربّما كانت الرصاصة التي أصابت خضرا غادرة في ظاهرها، خاصةً وأنّها جاءت من يدّ أخيها، لكنّها كانت بداية التغيير الحقيقيّ في حياتها. أحياناً، لا نستيقظ على أنفسِنا إلّا بعد أن نتعرَّض لصفعة قاسية، فيها ظلم وألم.

ولكن الغريب أنَّ هذا الظلم نفسه، رغم قسوته، يكون هو الضوء الذي يقُودنا نحو وعيٍ جديد وحياةٍ مختلفة.

فغالباً ما يُولد التغيير الحقيقي من عمق الجرح.

وكأنَّ الحياة تهمس لنا: لن تنضج حتى تنكسر، ولن ترى النور حتى تمر بالعتمة.”

في هذه اللّحظة عادت خضرا إلى الحياة، وقرَّرت أن تنمو رغم كل شيء.

قالت في الصفحة 120:

شَعرتُ أنَّ لي أمًّا تحتويني.”

كانت هذه الأمّ هي نبيلة بمحبَّتها وصدقها، وعائلة العمّ جمال بدِفئها واحتوائها.

قالت خضرا:أحسَست بآدَمِيَّتي، لي الحقّ في الحياة وفي الحلم، فقرَّرت أن أدفع نفسي إلى الأمام، وأُرَّصِّف الظُّروف أمامي سُلّمًا وأبني مستقبلي الخاص، وأختارُ كيفَ وأين ومَع مَن يَكون.”

نعم يا سادة … أيضا الحبّ يصنع المعجزات، لأنَّه قوّة تَدفَعُنا لأن نَكبَر.

حتّى قالت:

شَعرتُ للحظات كأنَّني أتضخَّم، وأنَّني صِرتُ أكبر من حجمي حتّى وَصلتُ إلى السَّماء.”

وهي نَفسَها التي جَثَت على رُكبَتيها، بائسةً تتضرَّع وتستجدي البقاء.  عايشت البُؤس والإنكسار في محطّاتٍ عدّة.

مرَّة أمام العمّة، ومرَّة أمام “سماح”، تَمسِكُ بكتفيها وتتوسَّل ألا تُلقى في الشارع.

تقولُ خضرا: شَعَرتُ بالأمان بقُربِ أناسٍ أعرفهم ويعرفونني، أحتاجهم ويحتاجون إليّ، شَعرتُ معهم بالطَّمأنينة حتى مع قساوة العمّة.

عن أيّ أمانٍ تتحدّث خضرا ؟؟!!

خضرا فتاة فارغة عاطفيًا، لا جذور ولا هوية، ولا حتّى اسم.

اسمها مشتَّق من لون العقد والعيون.

تعبِّر عن مشاعِرَها بالألوان:

الجمال عن طريق القفل الأزرق لباب دكّان يحيى، الغيرة عن طريق القميص بالألوان الزاهية لصديق يحيى، الإبتسامة عندما وصفت الحذاء الأبيض للفتاة ، والبطانية الملوّنة كحديقة سريّة.

كلمة “ماما” عبَّرت عنها في صفحة 17 قائلةً : ” حين أدخلتُ رِجلي إلى البِنطال وشعرتُ بالدِّفء تذكَّرت قول الفتاة “ماما“.

 

هي فتاة ذكيّة، تتعلَّم من كل شيء، وتحبّ دون تفسير، كما شعرت تجاه “خالد” دون أن تعرف السبب.

وهي التي لا تنال كلمة شكرًا عندما تجد العقد المفقود، ولا اعتذارًا عندما تُهان:

سنرمي هذه الحثالة في الشارع”، “لا يعلم العمّ أن نصف السَّمن ودقيق البيت في أحشائك،

ومن أبشع ما قيل لها:” ابنة من أنتِ كي تَلبَس شَرشَفًا؟

 

كما ردَّة الفعل العنيفة والقاسية التي تَجرح كرامتها وإنسانيَّتها حين طلبت من العمّة تعلّم القراءة.

تعبِّر خضرا عن آلامها بوضوح، وتعلم أنَّها ليست موجودة أبدا وإن حَمَلَت قرص الشمس بيديها.

فتقول: “لا تشعر العمٍة بمحبَّتي الصادقة وعطائي المحبّ، وعدم قبولها لي مهما بذلت من جهد“. 

المسكينة ترتاح أن تكون الخادمة التي تنام في غرفة المؤن، قائلةً: “أحببت المكان رغم ضيقه”، وهي التي لم تلقَ يوماً حُضناً يُدفِىء روحها الوحيدة.

لكنّها رغم كلّ هذا تقول  : “كان ولائي للدّار ولسمعته أكبر من حاجتي لسقفه.”

 

خضرا فتاة أصيلة، وفيّة رغم القسوة، وعظيمة برغم الانكسارات.وعندما امتلكت الفرصة للنجاة، اختارت أن تسامح أخاها وتبقى إلى جانبه حتّى موته، بدلًا من أن تُنقِذَ نَفسَها.

خَضرا أو “نور”، هي صورة للأنثى القويّة التي تتحدّى الحياة لتعيش بسلام مع ذاتها.

نور كانت أكثر هدوءًا، أكثر اتزانًا وعقلانية من خضرا.

لكن الإثنتين تتشاركان جوهر القوة.

في النهاية، آمنت أنَّ ملامحنا هي من تُعطي للشَّمس حرارتها، وأنَّ لكُلِّ حُرٍّ الحقّ في اختيار قَدَرِه.

 

#رواية_خضرا

#حورية_الإرياني

#نادي_قاف_للكتاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »