ادبياتعيون خاصة

أحببتُ نرجسيّة – الحلقة السابعة عشرة – الكاتبة كارينا أبو نعيم

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

استيقظتُ في صباح اليوم التالي على ضوء الشمس الذي تسلّل عبر نافذة الغرفة وانعكس على وجهي. أعاد إليّ هذا الدفء إحساسًا بسيطًا بالطمأنينة، لأول مرة منذ أيام.

جلستُ على حافة السرير لثوانٍ، أتنفس ببطء، أراقب الضوء والظل، وأعيد ترتيب أفكاري بعد ليلة طويلة امتزجت فيها الكثير من المشاعر المتناقضة.

لا تزال القصاصة الصفراء على الطاولة، ثابتة كما تركتها، تذكّرني بأن اللعبة لم تنتهِ بعد.

بعد أن ارتديتُ ملابسي، توجهتُ إلى المطبخ. كانت عمتي هناك تحضّر “الترويقة”. ساعدتها في تحضير المائدة. إجتمعنا حولها . كنتُ استمع إلى أحاديثهم، لكنّ أفكاري سابحة في مكان آخر. لاحظت عمتي هذا الأمر، فقامت وأعدت القهوة ودعتني لنشربها معاً.

جلستُ أرتشف القهوة، وعمّتي تجلس قبالتي وتنظر إليّ وعلى وجهها ابتسامة دافئة.

بعد صمت قصير، قالت لي بحنان: ” أصبحت نسخة طبق الأصل عن والدك رحمه الله”.

إبتسمتُ لها وكانت تغمرني الفرحة. فبالرغم من  أنني لا أتذكر ملامح والدي جيداً، إلا أنني أحتفظ له بالكثير من الصور خاصة تلك التي تجمعه مع والدتي.

ثم سألتني بلهفة محبة :”مراد… يبدو أنك لم تنم جيدًا الليلة الماضية. هل أنت بخير؟”

أمسكتُ بفنجان القهوة بين يديّ، أتنفس ببطء، أحاول ترتيب أفكاري قبل أن أجيب.

“نعم… أنا بخير، فقط كنت بحاجة لبعض الوقت لأرتب أفكاري.”

رفعت حاجبيها برفق، وكأنها شعرت بأن هناك شيئًا أكبر أخفيه:

” لاحظتُ أنك جئت إلى هنا بعيدًا عن المدينة…”

ترددت لحظة، ثم همست:

“ربما… نعم، كنت أحتاج أن أبتعد قليلاً، لأفكر… لأتنفس.”

ابتسمت بلطف، وكأنها فهمت أكثر مما قلت:

“أتعلم يا مراد…. أحيانًا كل ما نحتاجه هو مكان هادئ لنستعيد توازننا.”

أومأت برأسي، ورفعتُ عينيّ نحو الغابة الممتدة أمامنا، شعور بالطمأنينة يملأ قلبي، ومعه ظل خفي يذكرني بأن اللعبة لم تنته ِ بعد.

بعد لحظة من الصمت، قالت:

“إذا أحببت، يمكنني أن أريك شيئًا من عالم والدك، ربما يساعدك على فهم بعض الأمور.”

نظرتُ إليها وفضولي يزداد:

“ماذا تقصدين؟”

ابتسمت:

” القبو… فأغراض العيادة وملفات والدك محفوظة هناك منذ زمن. إذا كنت مستعدًا، يمكننا النزول معًا.”

كانت تلك اللحظة بداية رحلة جديدة لاكتشاف الماضي، رحلة ستجمع بين فضولي وطفلي الداخلي، وتكشف لي عن طبقات جديدة من حياتي وحياة والدي… بعيدًا عن الظلال الليلية، وقريبًا من شعور الأمان النسبي الذي منحته لي عمتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »