على هذا المقعد جلس للمرّة الأخيرة (1) – كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم
بدأتُ أتعبُ من نفسي، إنّ كمية هذا الحزن الذي استوطن روحي يرفض أن يتركها، فبدأ يخنقني، ما عدتُ قادرةً على حمل هذا القلب السقيم بين أضلعي.
إعتقدت ُ في كلّ مرة ٍ أنني تخطيتُ مرحلة رحيله، لأجد نفسي غارقةً أكثر فأكثر في هذا الحنين المؤلم.
إنّ منظر البحر والسماء بعد عاصفة البارحة، يشبه نفسي المحطمة، بحرٌ فيه تدرجات الأزرق المُخضّر، العابق المرتبك في أعماقه، البارد القاسي حد الصقيع، وسماءٌ تسافر فيها وسادات هلامية، كأنها قطع من غزل البنات تتراقص وتتراكض لتحتمي ببعضها.
ما عدتُ أحتمل كلّ هذا البؤس. من حقي أن أعيش كسائر البشر…..من حقي أن أطير، وأن أضحك من دون أن أقلق…أن أنام من دون أن تنتابني كوابيس الغد وهموم الحاضر….
من حقي أن أتحرر من ماضٍ أجبرتني الحياة أن أصبح أسيرةً له… كبلتني الظروف منذ الصغر بسلسلةٍ فولاذيةٍ من مسؤولياتٍ معقدةٍ…. من واجبي، وعلى الرغم من صغر سني، أن أحملها، وأن أتزيّن بها كأنها عقدٌ من اللؤلؤ والمرجان…وأن أتباهى بأنني، وبمحض إرادتي، قيّدتُ روحي بها.
أُخرجُ كلماتٍ عند كلّ نوبة جديدة، وأسرّ بها إلى تلك الأوراق البيضاء، تمارينٌ أوصتني بها المعالجة النفسية التي رافقتني في رحلة مرضي، وكانت ملاكي الحارس بعد سلسلة محاولات فاشلة لم أستطع من خلالها أن أحرر نفسي من هذا الجسد، وأرسل روحي الى جانب من خذلني….
أعود في فصل الشتاء، كلّ سنة، إلى رحاب مدينتي البحرية لأقضي فيها مدة العذاب، إنه نوعٌ جديدٌ من علاج العقل ليعاود التأقلم مع المكان الذي شكل للنفس أكبر الخيبات. فبعد أن رحل، وحين إستيقظتُ من غيبوبةٍ خطفتني لعدّة أشهرٍ، بدأت تنتابني حالات من الهلع والخوف والرفض للمكان الذي شهد على خيانته…على رحيله …. وعلى تركي وحيدة من دون أن يرأف بي وهو يعلم أنني من دونه أصبح ظلالاً…
