ادبياتعيون خاصة

أحببتُ نرجسيّة – الحلقة الرابعة عشرة – الكاتبة كارينا أبو نعيم

الكاتبة كارينا أبو نعيم

مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة التي حاولت فيها أن تبعدني عن الحياة. لم أجرؤ على العودة إلى العيادة؛ حتى مجرّد التفكير بالمكان كان يملأ صدري برهبة لا تُحتمل. كل زاوية، كل كرسي، كل ورقة صفراء كانت تذكّرني بها، وتذكّرني بخطورة خطوتها التالية.

لكن الابتعاد لم يُخفِ شعوري بالمراقبة. كان هناك شيء ما يلاحقني باستمرار، إحساس ثقيل بأن عينيها تتربصان بي من كل زاوية، وكأنها تعرف كل حركة سأقوم بها قبل أن أفعلها.

قررت أخيرًا الابتعاد عن العيادة وعن كل ما قد يعيدني إلى تلك الليلة. توجهتُ إلى منزل العائلة في الجبل، حيث تسكن عمتي منذ وفاة زوجها. كنتُ بحاجة ماسّة إلى الخروج من المدينة وضجيجها.

بدا بيت العائلة الجبلي الملاذ الوحيد الممكن. هو بيت جدي القديم، ذاك الذي رمّمه بعد وفاة جدتي، ويتربّع على سفح جبل يطل على وادٍ سحيق، تحيط به غابة كثيفة من الأشجار. وجود عمتي وعائلتها هناك وعدني بشيء افتقدته منذ سنوات وانقطع منذ وفاة والدي.

وصلتُ عند الغروب. استقبلني هواء نقيّ ملأ رئتيّ بالأوكسجين المنعش، وكأن صدري يتعلّم التنفّس من جديد. كان صوت الريح بين أوراق الشجر أشبه بهمسات غامضة، كلمات غير مفهومة، توحي بأنها قادمة من أقبية الزمن.

كانت فرحة عمتي بزيارتي لا توصف. أعدّت طاولة عشاء عامرة، كأنها تحاول تعويض غياب طويل بكثرة الطعام. بعد العشاء، جهّز ابن عمتي جلسة على الشرفة المطلة على الوادي، وقضيت السهرة بينهم ضاحكًا، منصتًا، وكدتُ، للحظات، أنسى وجودها.

في الصباح التالي، جلستُ على الشرفة أرتشف القهوة مع عمتي. لم نلتقِ منذ وفاة زوجها. تبادلنا الذكريات، الضحكات المكسورة والدموع المؤجلة. بعد ساعات من نبش صندوق الذاكرة، تركتني لتعود إلى المطبخ لتعدّ الغداء.

جلستُ وحدي. رغم دفء البيت، ورغم الطمأنينة الظاهرة، تسلّل إليّ إحساس مقلق. شعور غامض بأنني لست وحدي تمامًا. كنت متأكدًا من شيء واحد أن الهروب لم يُنهِ اللعبة، بل نقلها إلى ساحة أكثر خطورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »