لي حياة واحدة لأعيشها (3) – كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم
كيف لهم أن يفهموا ما بي، وهم لم يرتدوا هذا الجسد الهزيل وليسوا مجبرين على أن ينظروا، صباح كل اليوم، الى هذا الوجه القبيح في المرآة.
كيف لهم أن يدركوا ما أمرّ فيه ، وما أشعر به ، وما أعاني منه، إن كانوا غير مكترثين لوجودي!؟ أنا بالنسبة لهم لا شيء….لا أحد….غير موجود.
أعيش بيني وبين نفسي أعتصر آلامي، أحوّلها الى ألوان، أغمّس فيها ريشتي وأطلق أحلامي على تلك اللوحات ذات القماش القاسي والجاف مثل قلوبهم.
يعتقدون أنني مجنون، معتوه، وغير قادر أن أحقق شيئاً. في الشارع، حين أكون هارباً من جحيم البشر لأرتمي في أحضان الطبيعية، يتراكض الصبية ورائي يقذفونني بالحجارة ويطلقون صيحات السخرية ويرددون بأعلى أصواتهم ” إرحل …إرحل أيها “المجنون الأشهب”….
أيقنتم الآن ما هو مرضي؟ ما هو سر كآبتي؟ وهذا الصمت الذي يلتف حول حنجرتي فيخنقها؟
هل جربتم الوحدة؟ هل سكنتم في غرفة مظلمة ضيقة عفنة لا يدخلها ضوء الشمس. عشتُ في صمت سنوات، مرّت عليّ مئات الليالي لم أنطق فيها بكلمة واحدة، ضممت إلى صمتي ووحدتي عشرات الكتب، كانت برفقتي وحدها. وتلك الأوراق، وهذه الشمعة التي ما زالت تحترق ألماً على خطاباتي التي كنت أبكيها على ضوئها الشحيح، ناجيت الله كثيراً، تحاورت معه شرحت له أوضاعي …..أرسلت لأصدقائي مئات الرسائل، ولكن ما كنت أفرح إلا حين أكتب لأخي “ثيو” هو الوحيد الذي فهم سرّ وجودي في هذه الحياة، كان يشاركني مرضي من دون أن ينفر مني، ومن دون أن يخذلني، ولم يتركني يوماً كما فعل الجميع.
لو كنت أدرك أنهم ينتظرون موتي حتى يصبحوا أثرياء، لما وافقت على أن يطلق هذا الفتى الأهبل والمغرور من مسدس أبيه الذي سرقه تلك الرصاصة، وأقنع مجموعة الفتيان المهابيل التي يتزعمها، أنه سيقتل “المجنون الأشهب”، كما يفعل راعي البقر في الغرب الأمريكي، ويريح أهل المنطقة من منظره البائس وجنونه ومرضه. فمنذ أن حللت بينهم وهم يعتبرونني لعنة أرسلتها الجحيم عقاباً لهم.
