ادبياتعيون خاصة

أحببتُ نرجسيّة – الحلقة الثامنة عشرة – الكاتبة كارينا أبو نعيم

الكاتبة كارينا أبو نعيم

بعد أن أغلقت عمتي الباب خلفنا، بدأنا نزول الدرج المؤدي إلى القبو. أحسستُ بأن كل خطوة تقربني أكثر من عالم والدي الغامض، وعالم الطفل الذي كنتُه حين فقدته.

دخلنا القبو. رائحة الغبار ملأت أنفي، وأضاءت المصابيح المعلقة على الحائط جدران المكان بلون أصفر خافت. كانت الرفوف ممتدة على طول الغرفة، تحوي صناديق وملفات متراصة بعناية. شعرتُ على الفور بأنني أمام كنز من الماضي، عالم لم أستطع الوصول إليه إلّا الآن.

ابتسمت عمتي وقالت: “هنا كل شيء. ملفات والدك، أدواته، كتبه… وحتى بعض المذكرات التي كتبها قبل سنوات.”

بدأتُ أتفقد الرفوف بصمت، وكل قطعة كنت ألمسها تثير بداخلي شعورًا مزدوجًا: أمان وفضول، وحنين وحيرة. كانت هناك دفاتر ملاحظات، أوراق مبعثرة، وأدوات طبية صغيرة اعتدت أن أراها فقط في صور والدي القديمة.

رفعت عيناي، ورأيت عمتي تراقبني بصمت وحنان.

نظرتُ إلى ملفات العيادة المكدسة، وشعرت في داخلي بأن الطفل الذي كنتُه يعود ويختبئ بين الكتب والصناديق، ويسألني: من كان والدي؟ ماذا كان يفعل هنا؟ ولماذا لم أعِ ذلك حينها؟

أمسكتُ بأول ملف أمامي، شعرت بثقل السنوات عليه. فتحتُه ببطء. كانت تقارير مرضى وأوراق بحثية، رسومات للدماغ البشري، وملاحظات دقيقة لأبحاثه.

رفعتُ عيني عن الملف، ووقفتُ للحظة أراقب عمتي: “هل… هل كان كل هذا هنا طوال الوقت؟”

ابتسمت وقالت: “نعم… لكنه لم يردك أن تعرف كل شيء سريعًا. أرادك أن تكبر قليلاً قبل أن تلمس جزءًا من حياته.”

أحسستُ أنني أتنفس بعمق، شعور غريب بالطمأنينة يملأ صدري، لكن في الوقت نفسه كان الفضول يضغط علي: أريد أن أعرف أكثر، أريد أن أرى كل شيء، أن أفهم كل جزء من حياة والدي.

كانت هذه بداية رحلتي الجديدة، بين الماضي والحاضر، بين الطفل الذي فقد والديه في الثامنة، والطبيب الذي أنا عليه اليوم، الذي يبحث عن جذور ذاته وسط صناديق القبو وملفات والده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »