لي حياة واحدة لأعيشها (5)- كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم
يسير منير بموازاة الأحداث، يتعقب صديقه بعين صقر، صحيح أن “فينس” متروك لقدره وأن ما كتب قد كتب، ولا يمكن لأحد أن يغير مجرياتها، لكنه مصّر على إحداث تموجات لعلّ دوائرها تتسع وتصطدم بالحواجز فتهتز الوقائع، وعند ذاك تحصل المعجزة!.
أحاط الصبية “فينس” الواقف قرب مسند اللوحات يحاول أن يحمي بجسده “حبيبته” لوحة الشمس الغارقة ما وراء حقول القمح الصفراء. وقف “تيري” في مواجهته شاهراً المسدس ومصوباً به نحو “فينس”، وهو يضحك بأعلى صوته ويصرخ قائلاً:” ابتعد أيها المخبول…دعنا نستفيد من هذه الخرقة المتسخة بالألوان…”. و”فينس” متسمراً في مكانه تتآكله نيران الغضب والجنون وغير آبه بالنتائج.
في تلك اللحظة المصيرية، مرّ أمامه شريط حياته كصور متلاحقة، وكأن القدر ينذره أن خطّ النهاية قد اقترب. شاهد طفولته الباردة والفقيرة بالمشاعر، وتساؤلاته الدائمة حول والدته التي نبذته وأبعدته عن حضنها الدافئ، ومواجهاته مع والده الذي إعتبره دائم الفشل مهما فعل، وعلاقته بأخيه ثيو وأخواته البنات ورفيق رحلاته “كون”، الأخ الأصغر، آخر العنقود الذي عايشه لفترات متقطعة، معظم رحلاته التأملية التي كانت يقطعها “فينس” يومياً سيراً على الأقدام بين أحضان الطبيعية، وتحت السماء الزرقاء يتغذى من الهواء المنعش ويُخزّن من ألوان الطبيعة، فهو كما قال لأخيه “ثيو”ذات يوم،”إنني لستُ رسام مدينة بل رسام طبيعة، وأريد أن أعود الى الحقول، وأودّ أن أجد شمساً ملتهبة تحرق كل ما فيّ سوى الرغبة في الحب”. أسف أنه عاش من دون أن يجد الحب والدفء بين أحضان إمرأة واحدة في هذه الدنيا. ربما، لو إحتضنه قلب أنثى وأعطته حبها واهتمامها وقبولها به، لما كان شعر دائماً بضرورة رحيله عن هذه الدنيا. ما ذنبه إن كان يحمل في جيناته أمراضاً نفسية متوارثة، فوالدته كانت إنسانة مريضة نفسياً، وعمه الأخ الأكبر لأبيه مات منتحراً بعد أن عجزوا عن السيطرة على نوباته العصبية المؤذية.
وقبل أن ينفذ “تيري” تهديده، اندفع فينس نحوه، فما كان من هذا المراهق الأرعن إلا أن خاف، وارتبك وأطلق الرصاصة الأولى التي إستقرت أسفل صدر “فينس”. توقفت الأرض عن الدروان، وبدأ الضجيج من حوله ينخفض، والدماء في شرايينه تتدافع لتسد مكان فجوة هذا الدخيل الساخن.
إرتخى جسد “فينس” وسقط أرضاً وهو ينظر نحو السماء والشمس في غروب يوم حار، لكن ليس أحرّ من تلك الآلام التي تمزق أحشاءه. حاول الصراخ…كان يتمتم بعض الكلمات يناجي أخيه “ثيو” بينما فرّ الصبية من مكان الحادث وبقي “تيري” غير مصدق عيناه، لقد أصاب الهدف وأصبح بطلاً كراعي البقر الذي سمع عنه مئات الحكايات والمهارة التي يتمتع بها في استخدام المسدسات.
إنحنى نحو “فينس” ونظر في تلك العينين الخضراوين وقال له مبتسماً:” حذرتك أيها المعتوه ولم تسمع كلامي “. وضع المسدس في قبضة “فينس” الذي ينزف من جرحه وقاله له:” سيقولون أن المجنون انتحر…”. وضحك متوجهاً نحو اللوحة المركونة وحيدة على المسند. انتزعها عنه، وأخرج سكينه من جيبه، ومزّق آخر “غروب شمس” شاهده “فينس” في هذه الحياة.
