ادبيات

الجزء الأول (وصية جدي) – الحلقة السابعة-إمبراطورية إحياء الموتى- كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

إمبراطورية إحياء الموتى

هل تساءلتم يوماً أين كنا وأين أصبحنا لو أننا  ما كنا نحلم؟ هناك حضارات وشعوب كانت تحلم لكنها عجزت عن تحقيق شيء من أحلامها، فأتت من بعدها جماعات أخرى أكثر تطوراً وحققت عشرة في المائة من تلك الأحلام، وهكذا تراكمت الأحلام والإنجازات حتى بتنا نستعمر الكواكب خارج مجرتنا درب التبانة، وانطلقنا نحو الفضاء الفسيح.

في الحقيقة، مثلت “تكانا” مركزاً لتطبيق الأبحاث الخارجة عن المألوف وعن الطبيعة وعن القانون. ومن قال أن التكنولوجيا لا تملك وجهاً فاسداً ؟

سعت شركات عديدة إلى المنافسة في تقديم خدمات تقنية التجميد العميق، وقدم آلاف البشر طلبات تجميدهم بعد موتهم مباشرة، والاحتفاظ بجثثهم ريثما يعاد إحيائهم بعد سنوات، بعد أن تكون التكنولوجيا قد حلت مشكلة الموت، وأعلنت إنتصارها عليه.

لم تكن مستعمرة “تكانا”Takana  سوى غرفة العمليات الكبرى لتلك الشركات التي تقطف الأرباح يومياً، وتُكدس في مخازنها آلاف الجثث المجلدة، وإن أبرز المهمات السرية للبعثة العلمية التي إستقرت في “تكانا” كانت  شحن أكبر عدد ممكن من الجثث المثلجة وإجراء المحاولات عليها لإعادتها إلى الحياة.

كان والد جدي البروفيسور كريم في بداية طريق نجاحاته، ولم  يكن قد تجاوز بعد الخامسة والعشرين من عمره، وكان مندفعاً الى أبعد الحدود،  وقد أعد بحث تخرجه عن الأنسجة والأطراف والشرايين والأعضاء المستنسخة التي يمكنها أن تحل مكان أي عضو أو طرف في جسم الإنسان تعرض للتلف أو العطب أو البتر أو التشوه. ومهامتها الاساسية ترميم هذه الأعضاء لتعود إلى شكلها وحجمها وعملها الطبيعي، وخلال إعداده مشروع التخرج، قدّمت إحدى أكبر المختبرات في الكون عدداً من مراكزها  الطبية النووية ووضعتها تحت تصرف والد جدي. وكان مزهواً بنفسه لدرجة أنه تناسى أن يسأل ما هو الثمن المطلوب لقاء كل هذه التقديمات والتسهيلات التي تفوق كلفتها بلايين الدولارات. هل هذا الكرم والعطاء هدفه طبي وإنساني ؟  


الإرث العائلي

بعد عودة نسيم وندين من شهر العسل، لم تعد الأمور بين كمال وصديقه كما كانت سابقاً، وخضع نسيم  لمشيئة أبيه البروفسور كريم، ووافق مكرهاً على إقامة حفل تهنئة بمناسبة زفافه.

سيقام  الحفل في مقاطعة “فلو”  Flouالتابعة لـ Takana  .يتمتع البروفسور كريم بنفوذ كبير في تلك المنطقة، خاصة وإنه صاحب أكبر أمبراطورية لتخزين الجثث المجمدة، والتي تنتظر الوقت المناسب لتعود إلى الحياة من جديد.

لكن ما لم يكن في حسبان نسيم، أنه في ليلة الإحتفال سيُنقل إليه الإرث العائلي، من الأب إلى الإبن وزوجته، كما ينص قانون المجرات العائمة المغلقة.  

لم يخض نسيم يوماً أي نقاش مع والده حول الشركات والمختبرات التي يمتلكها الأب، فهو كان منغمساً في انجازاته العلمية، وتطبيقاته التكنولوجية، وإنتاج الرجل الآلي الأمثل والمفيد للإنسان.

لم يشارك البروفسور كريم يوماً إبنه الوحيد في دهاليز تجارته القذرة، التجارة السوداء. ولولا إلحاح “المجموعة” على كريم، لما خطا هذه الخطوة، مع علمه المسبق بما ستؤول إليه الأوضاع.

في الإجتماع الأخير للمجموعة، تبلغ كريم ضرورة نقل الإرث إلى إبنه وزوجته ضمناً، حفاظاً على استمرارية هذه الأعمال، وضماناً لوجود مسؤول “درجة أولى” من القرابة، يُكمل الطريق بعد رحيلهم. ففي عهدة “المجموعة” ملايين الجثث المجمدة، وملايين العقود الموقعة، وتريليونات من الأموال التي لا يُفك حجزها إلا حين يعود صاحب الجثة إلى الحياة.

الليلة ستنكشف الحقائق، وسيحمل نسيم هذا الأرث الثقيل، وسيتقاعد من بعدها البروفيسور كريم، ويسافر لقضاء محطته الأخيرة في “جزر بوكنتوس” الخلابة والمتواجدة في أحدث الكواكب المكتشفة في المجرة  518 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »