ادبياتعيون خاصة

أحببتُ نرجسيّة – الحلقة السادسة عشرة – الكاتبة كارينا أبو نعيم

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

لم أنم تلك الليلة. بقيتُ جالساً على طرف السرير في غرفة والدي، والقصاصة الصفراء بين أصابعي كأنها قطعة جمر لا تبرد.

أنا أحب الصيد في الغابات.”

أعدتُ قراءة الجملة مراراً، ثم رفعتُ رأسي نحو النافذة. كانت الغابة ساكنة تماماً.

وضعتُ القصاصة على الطاولة قرب السرير، وحاولتُ أن أشتّت ذهني. وقعت عيناي مجدداً على مكتبة والدي الضخمة. لم أكن قد اقتربتُ منها بعد، لكن شيئاً ما دفعني للقيام بذلك، كأنني أبحث عن ملجأ بين الكتب.

وقفتُ قبالتها، أجول بنظري بين رفوفها. كان والدي طبيب أعصاب لامعًا وقارئًا نهمًا كما أخبرتني عمتي. احتلت تلك الرفوف عشرات المجلدات الطبية والكتب القديمة والمجلات العلمية والبحثية بلغات مختلفة.

مررتُ أصابعي على عناوين الكتب. شعرت للحظة أنني ألامس جزءاً من حياته التي لم أعرفها جيداً. وبينما كنت أسحب أحد الكتب الثقيلة من الرف العلوي، انزلق شيء صغير من خلفه وسقط على الأرض.

انحنيتُ والتقطته. لم يكن كتاباً، بل مفكرة جلدية سوداء صغيرة. أمسكتها بيد مرتجفة، وشعرت بثقلها، وكأنها تحمل جزءاً من حياة والدي التي لم أعرفها من قبل. فتحتُ الصفحات ببطء، وبدأت أحسّ بأنني أدخل عالمه الخاص.

مع كل صفحة، كنت أشعر أنني أقترب منه أكثر، ليس كطبيب فحسب، بل كأب فقدتُه وأنا طفل في الثامنة، لم أعِ حينها سوى الفراغ الذي تركه رحيله هو وأمي. المفكرة كانت جسرًا بين الماضي والحاضر، بين الغياب والوجود، وبين الطفل الذي كنتُه والرجل الذي أنا عليه اليوم.

أغمضتُ عيني للحظة، أتنفس ببطء، وأحاول استيعاب كل ما رأيته.

جلستُ مجدداً على كرسي المكتب جانب النافذة، المفكرة في يدي، وعالم والدي أمامي، لكن تذكرتُ القصاصة الصفراء وما حدث معي الليلة.

رافقني شعور غريب، وأحسستُ أنني أريد أن أُغرق نفسي في صفحات المفكرة. ربما لأحتمي، ربما لطلب المساعدة وربما لأنني أفتقد ظل أبي وأمي.

وضعتُ المفكرة على صدري، وأسندتُ رأسي إلى الكرسي. أغمضتُ عيني. وللمرة الأولى منذ زمن كنتُ أتذكّر.

رائحة هذا المكان…

صوت خطوات خافتة في الممر… ضحكة بعيدة لا أذكر ملامحها، لكنني أعرف أنها كانت أمي.

شدَدتُ على المفكرة بين يديّ وهمستُ :

لماذا لم أبكِ حينها…؟

سؤال خرج متأخرًا …..

فتحتُ عيني.الغرفة كما هي. لكنّ شيئًا ما في داخلي لم يعد كما كان. لم يختفِ ذلك الطفل. أنا فقط تركته وحده كل تلك السنوات.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »