بائع السعادة -امل هواري

إنه يوم السبت، قررت ان أبدأ يومي بطريقة مختلفة عما أعتدت عليه في ايامي المتشابهة الهيكل واللون. فبعيداً عن زحمة العمل وتشابك الافكار الصباحية، وعن الاجندة المكتظة بأعمال مؤجلة من الأمس لليوم.
أدرت محرك سيارتي القاسي، صوته ينبعث بثقلٍ وقوة. يشبه، وكأنه غواص يغوص في أعماق محيط هائج. يتسم بتوتر مذهل، يتراقص بين نغماته المتعددة، مزيج من الاندفاع والتحكم.
بالنسبة لي، يُعد هذا الصوت أغنية من السرعة والحركة، تجمع بين الجمال والقوة في همساته المثيرة والصرخات الباهتة. اما بالنسبة للجيران فهو صوت مزعج لكن من يأبه.
ينساب الصوت العميق والانفجارات الحماسية مع كل دعسة على دواسة الوقود، كأنها تروي قصة مليئة بالإثارة والمغامرة.
والآن إلى أين!!!
وصلت لستاربكس عين المريسة، “بليز كراميل فرابوتشينو حجم وسط”. (مشروبي المفضل الذي يحتوي على الكثير من الوحدات الحرارية، ولكن وللمرة الثانية، من يأبه).
وبينما كنت معجبة بألوان كوبي المليء بالكريما البيضاء وخطوط الكراميل لذيذة الشكل والطعم، جلست على حافة الطريق أُمتع نظري بلون بحرنا الممزوج بين زراق لون السماء والوان قوس القزح، (تخيلتها قوس قزح الا انها وللأسف نفايات واكواب بلاستيكية وقوارير زجاجية ملونة مرمية بين الشاطىء الرملي والبحر).
وانا اجلس، لفتني صوت وقال:
بدك وردة يا وردة؟
نظرت اليه بخجل الغزل، رجلٌ مسن، وجهه مرسوم بخطوط من الزمن، يقف وسط باقات من الورد الأحمر المبعثرة على عربة خشبية بسيطة.
كانت عيناه تتلألآن، تحملان حكايات وخبرات لا تعد ولا تحصى. كان يتأملني بابتسامة دافئة، كأنه يروي لي قصص حياة مليئة بالألوان والتجارب. بينما يتباعد الناس بين أزقة الصباح، يختار البعض منهم باقات من الورد تتساقط على الرصيف كأنما ترمز للأمل والجمال في وجه الزمن.
على وجهه الهادئ، تُلمح المشيخة والحكمة، وكأنه يُترجم لغة الزهور إلى قصائد خفية تنسج حوله. يروي الورد الأحمر قصة حب طويلة، تمتد عبر العقود، وكأنه يشارك الورد في مرارة الفراق وحلاوة اللقاء.
آه! ما اجمل هذه العبارة وما اقساها:” مرارة الفراق وحلاوة اللقاء”.
وقف الرجل المسن أمامي، تارةً ينظر لوجهي وتارةً اخرى يتأمل باقات الورد الأحمر التي تزين عربته. بينما تتراقص أشعة الشمس على وجهه، قال بصوت يحمل عبق السنين، “يا صديقتي، الحياة تمتلئ بتناقضاتها. هناك مرارةً في كل طريق نسلكه، لكن بإمكاننا تحويلها إلى لحظات جميلة.”
وبابتسامة حكيمة أضاف : “كما تريّن، الورد الجميل هذا يأتي مع شوكه الصغيرة، لكن الشوكة لا تمنعه من أن يكون جميلاً ومحبوباً. إن مفتاح تحويل مرارة الحياة هو النظر إلى الجوانب الجميلة والأمل في كل موقف.”
بينما يتحدث هذا الحكيم وجدت نفسي انسى انشغالاتي، وزحمة نهاري المليء بضجة العمل وانسحب إلى عالمه الجميل، حيث الالهام بكيفية تحويل الصعاب إلى فرص وتجارب حياتية.
وكما تشاهد الورود تنبت من التربة وتزدهر مع الزمن، يعلمك هذا الرجل المسن كيف يمكن أن تنمو وتزهر في ظل الصعاب، وكيف يمكنك تحويل كل موقف إلى فرصة للنمو والتألق.
وبينما تنساب رائحة الذكريات، ورائحة عبق الحياة، وهمومنا التي لا تنتهي، يبقى بائع الورد الأحمر في شارع عين المريسة، كما لو أنه جزء من هذه اللوحة الجميلة، متجذرًا في الذكريات والأحلام، ومستمرًا في رسم بسمة على وجوه المارة، وبذلك يبقى يروي للعالم قصة الورد وينتشلهم لعالم الخيال بكل عبق وجمال.
قبل انسحابي من خيال صديقي العم المسن بائع الورد، رمقني بابتسامة وقال “ياوردة… نصيحة لك وللاحباب لاكتمال الحياة، عليكم
الاستمتاع باللحظات مهما كانت، افتحوا قلبكم للجمال الذي يحيط بكم. ابحثوا عن السعادة في التفاصيل الصغيرة واستمروا في التعلم. لا تدعوا الصعوبات تحد من إيمانكم بالأمل وقدرتكم على تغلب التحديات. واجعلوا من العطاء والتواصل مع الناس جزءًا أساسيًا من رحلتكم. عيشوا بالرضا مهما كان وبالفخر عند النظر للوراء على ما قدمتموه، ولا تنسوا أبدًا قوة الإيجابية والحب في تحويل حياتكم إلى مغامرة مميزة ومليئة بالمعاني.”
