ادبيات

على هذا المقعد جلس للمرّة الأخيرة (4) – كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

أربعة عشر عاماً مرّت على انتقال جهادٍ الى العالم الآخر، أربع عشرة سنة وأنا وحيدة غير قادرة على تقبّل هذا الواقع.

توقّف الزمن في ذلك اليوم المشؤوم، ويا ليته ابتعلني واختفيت.

تفاجأنا جميعنا حين تلقينا اتصالاً من جهاد يدعونا من خلاله الى حفل ميلاده. لاحظتُ منذ فترة تغييرات أصابت صديقي، أصبح مزاجه مرح ، ولم تغب الضحكة عن وجهه، حتى في اللحظات التي غدره فيها قلبه العليل….رحل وهو يضحك بأعلى صوته…هاجمه الموت بعد أن تصيد قلبه بذبحات ثلاثية أودت به الى الأبدية دون أن تعطيه حتى فرصة واحدة للمقاومة.

أخبرني فؤاد أن جهاداً انتقل للعيش معه قبل وفاته بأسبوع واحد، بعد أن تفاقمت المشاكل مع أهله، وبعد أن خسر عمله  قرر أن يترك البيت، فالمشكلة الأخيرة التي حصلت بينه وبين والدته وأخيه كانت الدافع الاساسي لهكذا قرار،  لم أكن أعلم بكل تلك الأمور، ولم أتدخل يوماً في تفاصيل علاقته المعقدة مع عائلته.

أعد فؤاد حفلة ميلاد صديقنا في منزله ودعا إليها كل الرفاق. يجمعنا نحن الثلاثة، جهاد فؤاد وأنا، عدد كبير من الأصدقاء والصديقات المقربين جداً، نؤلف معاً حلقة صغيرة أو كما كنا نطلق عليها “خلية العائلة”، كنا نسهر سوياً ، نحتفل مع بعضنا ونتعاضد في الأزمات والمحن. لم أنتبه ليلتها لمعنى هذا النور الذي أحاط بوجه جهاد، أعتقدتُ أنها بصمة الفرح، لم  أعلم أنها إشارة الرحيل.

للمرة الأولى، أعلنتُ عن مشاعري، وكنت متأكدة أن جهاداً يبادلني نفس المشاعرعلى  الرغم من أنه لم يقل لي يوماً أي كلمة حب واحدة، حين كنا نُعرّج على مواضيع العشق والغرام، كان يميل برأسه راسماً على وجهه علامات الخيبة ويردد قائلاً:” لم أخلق لأكون سعيداً لا في الحب ولا في الحياة”، ومن ثم ننتقل مباشرة الى مواضيع أخرى هرباً من أسئلة لم أجد يوماً لها أي جواب.

وأبقى أسأل نفسي بعد مضي كلّ تلك السنوات، ألم يحن الوقت لهذا الحزن أن ينتهي؟

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »