ادبيات

كنت أسكن في شارع فرح أنطون (3) الحلقة الثالثة – كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

تلك الليلة كانت النفق الذي نقلني من عالم إلى آخر.استقليتُ الطائرة لأول مرة، دفعني حب المغامرة أن أخاطرعلى الرغم من القصف والمعارك الدائرة، اجتزت مناطق القتال بأعجوبة، لم أصدق أنني وصلتُ حيّاً الى المطار. أمّن صديق للعائلة سائقاً من بيروت الغربية ليقوم بمهمة إيصالي فهو مقاتل سابق له علاقات واسعة مع مختلف الأفرقاء المتقاتلين. وحين سألته كيف بنى تلك العلاقات المتناقضة مع أعداء وأصدقاء وأغراب، أخبرني أن في زمن الحروب، وعلى الرغم من كل شيء، وبعيداً عن مبدأ الربح أو الخسارة، تبقى غريزة الصمود والمقاومة من أهم الغرائز عند الإنسان، فكيف بالأحرى عند مقاتل لا يعلم متى يموت، ومن سيُطلق عليه الرصاص، وبأي نيران صديقة أوعدوة سيُرمى؟!!!… لهذا، في تلك الازمات تخلق علاقات معقدة، لا تفسير لها ، تجمعها مصالح غير سوية لأن الخوف يكون سيد المواقف عند جميع الأطراف.
وصلتُ قبل إقلاع الطائرة بنصف ساعة، دخلتُ مباشرة إلى نقطة التفتيش، لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة. تناول موظف الأمن العام جواز سفري، وبدأ يعاين الأصل عن الصورة، سألني عن وجهتي، تحقق من التأشيرة وختم لي. وبدأتُ أركض كالمجنون بعد أن سمعت النداء الأخير للطائرة المتوجهة الى روما.
لم أخفِ هذا الرعب الذي إنتابني حين أقلعت بنا الطائرة، دقات قلبي تتصاعد، وأنفاسي تتقطع، وأنه سيغمى علي. كأنها الآن، أحسّ بلسعة باردة كتلك التي لفحتني حين وطأت قدماي أرض روما.
ومنذ تلك اللحظة بدأ مشواري مع المجهول، لم أكن الطالب الوحيد المرسل بمنحة دراسة إلى بلاد الفن والجمال، كنا مجموعة من الشبان من مختلف المناطق اللبنانية.
استقبلنا رئيس رابطة الطلبة اللبنانيين وكان سعيداً جداً لأننا وصلنا بخير، فأنباء المعارك قد سبقتنا، وبيروت في تلك الليلة لم تنم لحظة واحدة، كانت تدكّ على مدار الدقائق، القذائف تنهمر كحبات المطر، ومن لم يمت من شظاياها ودمارها؛ خُطف وقُتل في شوارعها وأزقتها. كانت حفلة الجنون في أوجها، وجميع خطوط الهاتف مقطوعة فلم أستطع أن أعلم أهلي بوصولي.
أعادتني الصور القديمة في درج مكتبي الى تلك الذكريات، عشرون عاماً مضى، جبلتنا الغربة بقسوة على الرغم من أشواقنا القاتلة، وطاحت بنا في شوارع المدن الغريبة هرباً من الموت، وبحثاً عن الاستقرار والأمان. هجرتنا …إقتلعتنا من جذورنا ورمتنا في المجهول. كيف ستنمو من جديد تلك الجذور إن كانت التربة غريبة والمياه مالحة؟
وقفتُ على شرفة منزلنا، ونظرتُ صوب تلك الجزر الراسية في المياه، كأنها سفن تنتظر ركابها لتنطلق في رحلة لا تتوقف. كانت مراكب الصيادين تشق غمار البحر بحثاً عن رزقها، كأنها تتمايل بدلع مسرعة نحو لا شيء أو كل شيء. صيادو مينائي يشقون كل يوم ، يلهثون وراء لقمة عيشهم ويغامرون دون خوف، معظمهم قانع وراضٍ بما قسّمه الله له في هذه الحياة، والقسم الآخر ينتظر اقتناص فرصة واحدة ليبدد هذا الكابوس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »