الوطن المستباح بين فاسدٍ في القصر وفاسدٍ في الدار… بقلم ريما محي الدين مرعب

عندما نُحمّل الطبقة السياسية وحدها مسؤولية الخراب، ننسى أو نتناسى الحقيقة الأشد مرارة:
الفساد لا يبدأ من القصور… بل من البيوت، من الشوارع، من العقول التي تعوّدت على التبرير والتمييع والسكوت.
نعيش في بلد حيث الرشوة صارت عادة، والغش “شطارة”، والكذب “ذكاء”، والواسطة “حقّ مكتسب”، والخداع وسيلة للتقدّم.
السلطة ليست كائناً خارقاً هبط من كوكب آخر.
هي صورة مشوّهة لمجتمع ساوَم على مبادئه، برّر كل خطأ إذا كان يأتي من “جماعته”، سكت عن كل تجاوز لأنه “مش شغله”، واحتفل بكل زعيم رغم الجوع، رغم الانهيار، رغم الذل.
الفساد الشعبي له ألف وجه:
أن تغشّ في امتحان وتبررها بـ”الجميع يغش”.
أن تدفع لتنجح وتبررها بـ”كلهم بيدفعوا”.
أن ترمي النفايات من سيارتك ثم تلعن البلد لأنه وسخ.
أن تسرق الكهرباء ثم تتذمّر من الانقطاع.
أن تحتقر القانون، وتضحك على من يلتزم به.
والفساد السياسي؟
أكثر وقاحة… وأكثر تنظيماً.
سرقة منظّمة، استغلال فاضح، قوانين تُفصّل على قياس الزعيم، صفقات بالمليارات، وهدر ممنهج لموارد وطن كامل.
يحكمون بوجه الأب، ويتصرّفون بوجه التاجر، ويتنكّرون في ثوب “الخادم الأمين”.
لكن من الذي أوصلهم؟ من الذي أعاد انتخابهم مرة بعد مرة؟ من الذي باع صوته؟ من الذي قال: “ما في غيره”؟
لا، ليس السياسي وحده من خان الوطن.
خانته الأيدي التي صوّتت على أساس الطائفة لا الكفاءة،
خانته العقول التي صفّقت للزعيم رغم كل الخراب،
خانته البيوت التي ربّت أبناءها على الخضوع لا على الكرامة.
كيف نُطالب بتغيير من هم في السلطة، ونحن نربّي أولادنا على الحِيَل لا على القيم؟
كيف نحلم بدولة نظيفة، ونحن نلوّث كل شيء نلمسه؟
كيف نُطالب بالعدالة، ونحن أوّل من يظلم حين نملك القوّة؟
إذا أردنا التغيير، فلننظر في المرآة أولًا.
فلنبدأ بثورة على ذواتنا قبل أن نثور على السُلطة.
فلنطهِّر النفوس قبل أن نُصلح القوانين.
فالوطن المقهور لن يُحرَّر ما دام الفاسد جالسًا في القصر… وشبيهه مرتاحًا في الدار.
الشعوب الفاسدة تُنتج سلطة فاسدة، أما الشعوب الواعية، فتبني وطناً لا يُكسر.
