Takana – إمبراطورية إحياء الموتى- الجزء الأول (وصية جدي) – الحلقة الثامنة – كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم
الإحتفال المشؤوم
أعد البروفيسور كريم تنظيم الإحتفال خلال أسبوع، فأكمل كل التجهيزات، وأرسل كل الدعوات خاصة لأفراد “المجموعة” المتواجدين في أفلاك ومجرات بعيدة. وأشرف بنفسه على استقبال كل المدعوين الذين بدأوا يتوافدون عبر ممرات النجوم السريعة، واستطاع خلال أسبوع واحد أن يبني مجمّعاً يضم مئات الغرف المجهزة لاستضافة الجميع. فنفذ هذا المشروع مع طاقمه الهندسي عبر الطابعة الضخمة الموصولة بشبكة النانو الرئيسة، التي أستخدمت للمرة الأولى في بناء مساحات كبيرة وخلال وقت قياسي.
فرح البروفيسور كريم جداً لنجاح هذه الطابعة، وسيبحث الموضوع لاحقاً مع طاقمه الهندسي ليبدأوا في إعداد تسويق لها. وتلقى رسالة، قرأها بسرعة، ومن ثم حذفها.
توقف البروفسور قليلاً، يعيد في ذهنه ما ورد في نص الرسالة، وعلى وجهه رُسمت علامات التوتر.
كيف سيواجه إبنهُ بتلك الحقائق دفعة واحدة ؟ كان قد أرسل طلباً إلى”المجموعة” لتأجيل خبر انتقال الإرث العائلي، ولكنهم ،على ما يبدو، قد أرسلوا له رداً واضحاً تضمن سطراً واحداً جاء فيه:
” العملية ستتم الليلة وإلا ستتحمل وحدكَ العواقب”.
إنها المرة الأولى التي يتلقى منهم رسالة تهديد ووعيد، فمنذ أن انغمس معهم في بداية حياته المهنية، وفي فورة غروره، تنازل عن مبادئه مقابل الشهرة والنفوذ. وحين أقسم يمين الإلتزام حتى الموت معهم، كان يُدرك تماماً أنه بذلك وقّع على عقد أبدي مع الشيطان، هذه التجارة عائلية، ولا يمكن أن تخرج من سياج العائلات المتوارثة لها، وإلا سيصار إلى إبادتها عن بكرة أبيها.
في تاريخ “المجموعة” الدموي نماذج لعائلات قررت أن تتمرد، فأنتفى نسلها من كل المجرات والكواكب، ولم يعد أحد يتذكرها، حتى في متحف الذاكرة الشعبية، مُسحت منه كل بياناتها وكل إنجازاتها وكأنه لم يكن لها وجود.
إذن كيف سيُخرج إبنه نسيم من هذه الورطة؟ لم يفكر يوماً أن هذه اللحظة المحرجة ستأتي، وتحمل معها الكثير من القلق والخوف، وكيف سيحمّل إبنه، أوزار ما فعله في لحظة طيش وجشع؟ ولماذا لم يفكر سابقاً في هذا الموضوع؟ ولماذا سيكون له أي استثناء من قانون”المجموعة”، وهو الذي حلف على قسم الإلتزام حتى الموت؟
أرسل البروفسور كريم رسالة إلى نسيم طلب منه أن يحضر إلى المكتب، وكان نسيم منهمكاً يساعد زوجته في المطبخ، واستغرب كثيراً رسالة والده، فاعتذر له مباشرة، وطلب منه تأجيل الموعد لبعض الوقت.
لن يضغط عليه، سيتركه على راحته فيكفيه ما هو مقبل عليه، انتهى نسيم من تناول الطعام، وبينما كانت ندين تعد له القهوة، اقترب منها واحتضنها واختطف منها قبلة طويلة كأنها دعوة إلى رحلة حب. أبعدته بلطف وقالت له:” لا تدع عمي ينتظر أكثر من ذلك، ربما يحتاجك في أمر طارىء”.تبسم نسيم وقال لها:
” أتتهربين مني؟”. تركته ومشت وهي تهز رأسها بالنفي، وأردفت:” لا…لكنني مشوشةٌ على والدك….أشعر أن وراء طلبهُ لكَ أمرٌ يتعلق بسهرة الليلة”. أجابها: ” لا أعتقد …لكنني أعترف أن والدي قد أذهلني في السرعة التي من خلالها استطاع أن ينظم حفل استقبال سيضم آلاف المدعويين، ولم أشاهده في حياتي يقوم بتلك الأعمال…أنا مندهش جداً.”
رشف من فنجانه آخر جرعة وأضاف:” سأذهب لأرى ما يريد….سأشتاقُ إليكِ”. وطبع قبلة سريعة على خد زوجته وهرول نحو مكتب والده.
كان البروفسور كريم في تلك الأثناء يُعيد ويُقلب السيناريوهات لعله يهتدي إلى واحد مقنع يمرر من خلاله اعترافاته الخطيرة.
هروب كمال
أشرف كمال بعد أن سافر نسيم ليقضي شهر العسل مع عروسه، على إنجاز كافة المشاريع حسب العقود المتفق عليها، وتم تسليم العملاء كافة الرجال الآليين مع فريق متخصص تعليمي، مقدم هدية من شركة نسيم وكمال. ولم ينسَ أي من البنود التي كانا يتناقشان بها لساعات، وتمنى لو أن صديقه نسيم موجود، ليشهد على تلك اللحظات التاريخية في سجل شركتهما التي نافست أكبر الشركات في المجرات السبعة.
حين عاد نسيم وزوجته من شهر العسل، استقبلتهما الطواقم العاملة في المركز الرئيس، وكان كمال على رأس المستقبلين والمهنئين.
تناسى كمال كل ما حدث، ولملم جرحه، وتوجه بعد أن استقر الزوجان في بيتهما الجديد للمباركة وتناول العشاء معهما.
استقبله نسيم بكل ود ومحبة وكأن شيئاً لم يكن، مما زاد من غضب كمال، ولكنه لم يظهر لصديقه أي شيء بل تابع السهرة بهدوء، وتناول العشاء معهما، وأخبره بكل التفاصيل التي نفذت في غيابه، وعند الواحدة من بعد منتصف الليل، وبعد أن سلمه كمال كل الملفات المنجزة، ولج إلى غرفته وعزلها بالكامل وأجرى اتصالاً الى جهة مجهولة.
في صباح اليوم التالي، توجه نسيم إلى مكاتب الشركة، وحين سأل عن كمال قيل له أنه سافر.
اتصل نسيم بكمال ليستفسر منه عن سبب هذا السفر المفاجئ، ولكن كمال كان معزولاً بالكامل، وكل المحاولات اللاحقة للتواصل معه باءت بالفشل.
شعر نسيم أن كمالاّ قد رد له الصاع صاعين، فالرسالة واضحة، فعل الشيء نفسه، وسافر من دون أن يُعلم أحداً .وعزل نفسه عن الإتصالات، كما فعل نسيم حين قرر بعد مشاجرتهما في المقهى أن يتزوج ويسافر من دون إعلام صديقه الوحيد
