ادبيات

الذاكرة اللعينة – كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم


على وقع العاصفة التي حطت رحالها على مدينتي البائسة، قررتُ أن أغامر. غادرتُ المنزل بعد أن تسلحتُ بالمعطف والشال، وضممتُ حافظة خواطري وجهاز آيباد وقلم رصاص.
وضعتُ سماعات البلوتوث في أذني وذهبتُ إلى ملف الأغاني المحفوظ في ذاكرة هاتفي الذكي، وضغطتُ على زر الـ Play. وتركتُ ألحانها تنساب بعذوبة وأطلقت روحي لتطير مبعثرة كالأوراق التي تتراكض أمامي…
أحتاج إلى جرعة هدوءٍ وإلى كميةٍ من السكون النفسي. استوقفني هذا التناقض ما بين أحوال الطقس ومزاج روحي التائهة. جلتُ في الشوارع الغارقة بمياه الأمطار … لا يسكن فيها إلا الصمت. لم أشعر بهذا البرد المتملك في ذرات الهواء الذي يلفح وجهي بعنف.
كلماتٌ عذبةٌ تتفوه بها أصوات المغنيين. أثرها جميل على روحي السابحة في فضاء “اللاشيء”. اشتدت تفاصيل العاصفة وأصبحت الرياح عنيفةً جداً تضرب بي من كل ناحية.
دلفتُ إلى المقهى في زاوية أحد الشوارع …كان خالياً من الرواد …لكنه ملئٌ بالذكريات. الطاولات الفارغة تنتظر من يؤنسها. جلستُ إلى الطاولة الملاصقة لواجهة الزجاج. الريح تلعب بقطرات المياه وترمي بها شمالاً ويميناً. همست قطرات المطر الطارقة على الزجاج، همست لي قائلة:” أتذكرين؟”.
هذه الذاكرة اللعينة لم تتوقف عن إغاظتي. حاولتُ بكل الوسائل أن أسكتها، أن أمحيها وأن أدمرها. لكنها في كل مرة، تعيد شحن الذكريات وتقوم ببثها وتجعلني غير قادرةٍ على مقاومتها، فأغرق في لعنتها مرةً جديدةً.
ذاكرتي اللعينة لم تتوقف عن إرسال الرسائل من الماضي. حاولت مراراً أن أتفاهم معها أن أقنعها أنني لا أريد وأن عليها أن تستجيب لرغبتي وعليها أن تحترم حالتي التي وصلت إليها. جاهدتُ كثيراً كي أنسى. صبرتُ كثيراً كي يغرق صندوقي الأسود في أعماق النسيان.
في لحظة، أطاحت ذاكرتي بكل الانجازات التي اعتقدتُ أنني حققتها.
ماذا تريد مني؟
انتهى عهدها ومضت عليها السنوات. حتى أنني حين ألمح من سكانها أشخاص لا اكترث ولا أنفعل كالسابق. أقنعتُ نفسي أن قاطيني ذكرياتي ماتوا وغرقوا مع الصندوق الأسود. انتحروا كي يستحريحوا و يريحوا.
تمنيتُ لو أنني فقدت ذاكرتي الى الأبد وصمتت همسات الكلمات وانمحت الصور وعاد عقلي إلى لحظة البداية كي ينطلق من نقطة الصفر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »