عيون خاصة

قراءة الأديبة نجاة الشالوحي لرواية “ابن الصبحا” للأديب الدكتور جميل الدويهي…

أيتها الأرزة الإهدنية، عميد الأدب المهجري، ومؤسس مشروع أفكار إغترابية للأدب الراقي الدكتور جميل الدويهي المحترم.

لا نغالي إن لقبناه بعميد الأنواع الأدبية المتعددة، فقد نشر مجموعته الشعرية ” أعمدة الشعر السبعة” وهي أول مجموعة شعريةٍ في تاريخ العرب وحاضرهم تضمّ سبعة أنواع شعرٍ مختلفةٍ لكلٍ منها لغتها وطريقتها. وأدبه بحرٌ من الأسرار إن غصت فيه، فأعماقه مليئةٌ بالحكمة والقيم الإنسانية بغضّ النظر عن الطبقية الإجتماعية أو الدين أو الجنس.

ومن يدخل إلى أدب الدويهي لن يستطيع الخروج منه، فشروشه ضاربةٌ في الأرض ومتجذرةٌ كجذور أرزنا الخالد. ونتذوق جماليات أدبه: الصور الشعرية، والقيم الفكرية والفلسفية والنورانية، بالإضافة إلى القصص المليئة بالرموز والعبر، والروايات المتسمة بالسرد التاريخي الممتع والنفحات الأدبية والفكرية، ويهدف إلى بثّ الروح في الماضي من أجل قراءة الحاضر والإستفادة من عِبَر التاريخ.

ويعرّف الدكتور محمد القاضي الرواية التاريخية:” أنها نصٌ تخيّليٌ نسج حول وقائع وشخصياتٍ تاريخيةٍ” أما عند الأديب الدويهي فالرواية التاريخية هي” عملٌ سرديٌّ يهدف إلى إعادة بناء حقبةٍ من الماضي بطريقةٍ تخيّليةٍ فتتداخل شخصياتٌ تاريخيةٌ مع شخصياتٍ متخيّلةٍ”

ورواية “ابن الصبحا” رائعة جميل الدويهي خطّها بدموعه ومحبته وعاطفته المتدفقة تجاه بلدته إهدن والقرى المجاورة لها. وسأتناول شخصية المرأة المقاومة والمؤمنة بالله والأرض والإنسان من خلال البطلة  (حرية). والروائي يؤمن بدور المرأة الريادي، ألم يذكر نجيب محفوظ  أن المرأة هي نصف المجتمع. وحرية هي شابةٌ إهدنية، تنجب طفلًا نتيجة الاعتداء عليها من رجلٍ لا تعرفه، فارسٌ بعينٍ واحدةٍ، هاجمها ومزّق ثيابها، ثم افترسها بينما كانت أبالسة الشر تدوس بأقدامها على الجماجم، ولأنها حاملٌ سفاحًا تهرب من إهدن(65) فقد كانت تخشى أن يعثر عليها أحدٌ ويرى بطنها المنتفخ(78)، وهذه المرأة تحمل أعباءً ثقيلةً: جنينٌ في داخلها من أبٍ مجهولٍ(68)، وضجيجٌ في رأسها قتلى وجرحى ودمارٌ هائلٌ. ولم تتخلص من الطفل لإيمانها أنه هبة السماء، ولا دور له بما حلّ بها.

وتلجأ حرية إلى الوادي المقدس- قاديشا – وعلى الطريق المكسو بالألم والقهر والدم تسقط وتصاب بجرحٍ عميقٍ في ساقها. أليست المرأة هي الوطن.  ألا ” تشبه الأرض(23)” سقطت إهدن بيد المماليك وحلت فيها كارثةٌ إنسانيةٌ، فذُبح الأطفال والنساء والشيوخ، ودُمرت الأكواخ والقصور، واغتصبت الأرض، وروت دماءُ الأبرياء التراب. وبسقوط إهدن وجاراتها قُطعت شرايين المقاومة ودُفنت في مهدها(37).

وفيما حرية تنزف من ساقها، يمرّ بها “أبو علي الطرابلسي” فهو يعمل في الوادي ويعتني بالمزروعات، ويحملها إلى منزله، ويعتني بها كأختٍ له. لقد عاش الطرابلسيون قديمًا وحديثًا إلى جانب أهالي إهدن أعوامًا طويلةً في إخاءٍ وتعاونٍ، وفتح الموارنة المتاجر في البلد واعتبروا أنفسهم من أهلها(12).

ولشخصيات الرواية  رموزٌ ودلالاتٌ (أبو علي) في الذاكرة الشعبية هو رمز القوة والشجاعة، والإقدام، والمحبة للضعيف، ومساعدة الآخرين. لقد نقل حرية في عربته من الوادي إلى كفرصغاب -وهي قريةٌ قريبةٌ من إهدن- بطلبٍ منها على الرغم من حملها وضعفها لتساعد في قرع الأجراس ودفن الموتى، بعدما هاجم المماليك مغارة (حوقا) وذبحوا الأهالي المسالمين الضعفاء.

وبعد عشر سنواتٍ  تنضم حرية إلى فرق المردة والجراجمة الذين قاوموا المماليك، ليس لأن لها ثأرًا بل لأنها تؤمن بأن الحرية ما أوجدها الله لتتمرّغ في وحول الخريف…(95) وايما واتسون تقول: ” المرأة القوية ليست من تحارب وتنتصر، بل من تحارب وتحافظ على كرامتها” وحرية قتلت مغتصبها في مواجهةٍ داميةٍ في الفيدار. والدويهي يعلن بلسان بطلته أن : “الحرية ليست صبغةً يأكلها الزمن…إنما هي الأبد والأزل(95) ويتغنّى  بنساء بلدته “إنهن في ساحات الوغى أجرأ من الرجال”(11) ويشبههن بسندياناتٍ يتحدين شظف العيش(42) وفي تمجيده لقيمة الحرية ٍ يقول:”كلّ العيون التي لا تتبارك بصورتك البهية، فقدت نظرها، وأضحت عمياء”(103)

وفي رأيه أن المرأة هي الوطن والهوية فيقول على لسان يوسف خطيب حرية” ولو خسرتك خسرت وطني، وعشت حياتي من غير هويةٍ ولا حقيقةٍ”(102)

وثيمة الماء حاضرةٌ هي أقوى من النار هي العمادة، سرٌّ مقدسٌ لولاها لما عاشت روحٌ وجسدٌ (77) ولكن هذه الثيمة تتحوّل إلى فعل قتلٍ وغرقٍ وجبروت. بعدما سلّط المماليك المياه من ساقية مار سمعان التي تنبع من بشري على مغارة حوقا التي لجأ إليها الأهالي _ بناءً على نصيحة ابن الصبحا_ فانهمر الماء غزيرًا، فخرجوا إلى العراء فلاقاهم الجند وأعمل فيهم ذبحًا وتقتيلًا(83)

ويدعو أبناء الوطن إلى التكاتف والدفاع عن ترابه بأفئدةٍ من فولاذٍ، وإرادةٍ صلبةٍ، فيقول بلسان البطريرك دانيال الحدشيتي:” جئت إليكم من بعيدٍ، وأنتم لستم بعيدين عن قلبي وأفكاري…لبنان نحن، ونحن من يحمون أرضه، بل نحن علّة وجوده ومصدر خلوده… هذه الديار ليس لكم سواها، فإن خسرتموها خسرتم كل شيء، وصرتم مشردين في المجاهيل والبراري(49-50)

وهذه الرواية كما بقية أعماله محمّلةٌ بقضايا إنسانيةٍ ووطنيةٍ وحضاريةٍ ووصايا وإرشاداتٍ. فهل من يقرأ ويتعظ ويأخذ العِبَر من التاريخ؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »