

الكاتبة كارينا أبو نعيم

جلستُ على الكرسي المخصص لمرضاي. كرسيّ أعرف صريره وأعرف كيف أُمسك بخيوط الجلسة وأنا أواجه مرضاي فيه. لكن هذه المرة، لم أكن أنا المسيطر.
دخلت بخطوات واثقة، كأنها صاحبة المكان. ألقت معطفها الأسود على الأريكة، وجلست أمامي على مقعدي حيث أجلس عادةً .وضعت ساقاً على أخرى، حدّقت بي بعينيها الواسعتين، وقالت بهدوء قاتل:
“لنجرّب تبديل الأدوار يا دكتور. أنت الآن المريض، وأنا سأستمع.”
ابتسمتْ بسخرية وأشارت إلى دفتر ملاحظاتي:
“اتركه… هذه المرة لن تحتاج لتسجيل شيء. كل ما ستقوله سيُسجّل في ذاكرتي.”
شعرتُ بالدماء تصعد إلى رأسي. حاولت أن أتماسك. سألتها:
“وما الذي يدفعني إلى لعب لعبتك؟“
انحنت قليلاً إلى الأمام،وقالت:
“لأنك بدأت تشعر بما كان يشعر به. أليس كذلك؟ عجزك أمامي… ارتباكك… خوفك من أن تنكشف. صدّقني يا مراد، كل هذا دوّنته أنا قبل أن تكتشفه أنت.”
أرادت أن تقصم ظهري بكلماتها. لكن فجأة، لمحتُ ارتجافة صغيرة في أصابعها وهي تمسك حقيبتها. حركة خاطفة، لا يراها إلا عين مدرّبة على التفاصيل. تلك الارتجافة لم تكن من لعبة مدروسة، بل من انفعال خفي.
قلتُ بهدوء:“غريبٌ… يدكِ قالت ما لم تقوليْه.”
تجمّد وجهها لثوانٍ. الصمت سيطر على الغرفة. ارتجافتها انكشفت. كأنني صوّبت سهماً في قلب درعها المصقول.
ابتسمتُ هذه المرة وتابعت كلامي:
“ربما كل أقنعتك لا تكفي لإخفاء الحقيقة… أنك لستِ سوى إنسانة تخاف. تخاف أن تُرى على حقيقتها.“
رفعت رأسها ببطء، وعيناها فقدتا شيئاً من بريق السيطرة. لم تردّ. قامت واقفة بسرعة، أمسكت حقيبتها، وقبل أن تخرج قالت بصوت متقطّع:
“أنت… لا تعرف… شيئاً.”
وأغلقت الباب بعنف خلفها.
جلستُ أتنفّس بعمق وارتقب خطواتها القادمة.
