القدر والموت مسلمات لا قدرة للإنسان على التحكم بها – كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم
إن #غيوم_ميسو في روايته #هل_ستكون_هنا، يلعب معنا لعبة العودة إلى الماضي، والسفر إلى المستقبل من خلال حبكة قصصية مشوقة جداً تحبس الأنفاس، فلا تستطيع أن تغمض عينيك قبل أن تنهي الكتاب بأكمله. تخيل أنك تقابل نسخةً طبق الأصل عنك، تسافر معك في الماضي والحاضر والمستقبل، تناقشك وتعاتبك وترشدك وتعيد تشكيل خطوط قدرك. لا يمكنك أن تُحرق الأحداث في هذه الرواية، وإلا ستصبح ضائعاً وغير مدركٍ للتفاصيل التي تمر بسرعة البرق، فتدرك بعد مرورها دون أن تلحظها أنك فقدت التركيز. الرواية مقسمةٌ الى فصولٍ تتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل، فتارةً نكون في حقبة الستينيات والسبعينات، لنعود بعد لحظاتٍ، ونجد أنفسنا في الحاضر مع أبطال الرواية الذين تقدموا في العمر، لنتوه بعد ذلك في زواريب لا يمكن الخروج منها إلا بمجهودٍ كبيرٍ. والمفاجآت الكبرى في النهاية. مجموعة “نهاياتٍ” تنزل فوق رؤوسنا، وكأن الكاتب قصد بذلك أن يفرغ كل الإحتمالات التي يمكنها أن تمر بعقولنا من خلال التحليلات. رواية #هل_ستكون_هنا تتقارب كثيراً من جهات مختلفة مع الرواية الرائعة #قبل_أن_تبرد_القهوة للكاتب الياباني #توشيكازو_كواغوشي التي سحرت كل من قرأ الجزأين منها. ومنذ ذلك الحين، أسرع في إحتساء قهوتي قبل أن تبرد مخافة أن أتحول الى شبحٍ، وكنت قد سجلت خلال قراءتي للرواية سابقاً بعض الملاحظات، حين أعدت قراءتها اليوم تمنيت لو أنني أستطيع أن أستضيف أبطال رواية الكاتب الفرنسي غيوم ميسو #هل_ستكون_هنا في مقهى السفر عبر الزمن التي ضمت أبطال رواية #قبل_أن_تبرد_القهوة.
أعاد غيوم ميسو بطل روايته الطبيب المشهور وهو على شفير الموت بعد أن علم بإصابته بسرطان الرئة، أعاده في الزمن لينقذ حب حياته، وكان ذلك عبر تناول حبة تشبه حبة الدواء قدمها له أحد زعماء القبائل في آخر بعثة طبية قام بها في مجاهل الأدغال، لها مفعول سحري تجعله يسافر الى الماضي أو الى المستقبل حسب ما يقرره هو بنفسه أو حسب ما تقتضيه مجريات الأحداث.
أعطى ميسو الحق الى أبطاله بالتدخل في أحداث الماضي وإجراء التعديلات على مجرياتها . لكنه في الوقت عينه، أخذنا الى المستقبل لنجد أن نتائج التدخلات في الماضي لم تأتي كما نظن وكانت مخيبة للآمالنا وصادمة في بعض الأحيان.
من جهة أخرى، كانت السيدة “الشبح” التي تلازم كرسي السفر في رواية #قبل_أن _تبرد_القهوة قد اختفت في نهاية الجزء الثاني من الرواية والتي كانت لا تسمح لأحد غيرها بالجلوس إلا حين تقصد الحمام، فيستغل طالب السفر الى الماضي الفرصة ويجلس على الكرسي، ويحتسي القهوة، ويسافر الى الماضي لدقائق قليلة قبل أن تبرد قهوته ويتحول الى شبح، ويحل مكان الشيدة الشبح. وكل طالب سفرٍ الى الماضي يدرك تماماً أنه مهما فعل فلن يغير شيئاً من أحداث الحاضر ومن الأحداث التي حصلت وانتهت. فهو لن يستطع أن يبدل مصير أي أحدٍ ليتفادى موته او سفره او اي شيءٍ آخر. كل ما يمكن أن يفعله هو أن يسافر في الماضي ربما ليعتذر أو يستفسر أو يقدم ايضاحاتٍ حول شيء حدث و لم يدركه.
كانت نظرة #توشيكازو_كواغوشي الى الحياة والممات والمصير والقدر أقرب الى الواقع، لا بل تلامس أرضية الواقعية رغم اعتماده حالة تخيلية ألا وهي قدرتنا على السفر في الماضي. لكن البعد الانساني العميق الذي لمسناه من تجارب أبطالٍ وقصصهم والعبر منها، كان يفوق التصور. جعلنا نعيش مع حكاية كل بطلٍ من ابطاله دون مللٍ في كلا الجزأين. بينما وضعنا #غيوم_ميسو الذي اعتمد مبدأ السفر في المستقبل والماضي، اعتمد عنصر الحدث الصادم غير المتوقع.
تفاصيل وخفايا وعبر أبطال رواية #قبل_أن_تبرد_القهوة ما تزال حاضرةً في ذهني. تأثرت بها كثيراً وما زالت بعض التفاصيل تستوقفني وتدخلني في حالة تأملٍ عميقةٍ. أحببت جداً ما فعله #غيوم_ ميسو فينا حيث راوغ كلاعب كرةٍمتمرسٍ، وجعلنا نعتقد أنه سيسدد الطابة من تلك الزاوية اوالمنطقة ليباغتنا بالتفافة خاطفة تفسح له المجال في تسجيل هدفٍ خاطفٍ وجميلٍ.
